عندما وقف مدير صحة طرطوس في اجتماع مجلس المحافظة في الدورة العادية الخامسة في شهر أيلول الماضي وقام بتجييش أعضاء المجلس ضد المكتب التنفيذي والمحافظ.. ظننا أن هناك كارثة صحية ستصيب المحافظة لكن عندما قام عضو المكتب المختص الدكتور محمد جري بتنفيذ عقود الدواء التي قامت المديرية بإرسالها إلى المحافظة لتصديقها، والتي وصلت حتى الآن إلى أكثر من/37/ عقداً, هذا دفعنا للبحث والتدقيق, وإذ نحن أمام ملف خطير وكبير يتعلق بفوات عشرات الملايين على الخزينة العامة..!!
الذي حدث
في رد مطول أمام مجلس المحافظة فند عضو المكتب المختص الدكتور محمد جري ادعاءات مدير الصحة.. فقال: قامت مديرية الصحة بتقديم كتاب لتفشيل مناقصة لشراء خمسة أصناف دوائية في الشهر السادس كون الأسعار مرتفعة وأعلى من أسعار السوق فكان الاقتراح أن يتم تشكيل لجنة لسبر أسعار الدواء في السوق… وفي الشهر السابع ورد إلى المحافظة /6/ أضابير عقدية لـ11 صنفاً دوائياً «لا تتضمن الأصناف الخمسة السابقة» حينها تم التريث لحين ورود نتائج لجنة سبر الأسعار وبتاريخ 18-7 أرسلت المديرية نتائج اللجنة التي تؤكد أن ثلاثة أصناف من أصل الخمسة المتعاقد عليها هي أعلى من أسعار السوق.. بعد ذلك قام المحافظ بتشكيل اللجنة 5452 ومهمتها سبر أسعار الـ/11/ صنفاً.. قياساً على الخمسة أصناف السابقة.. فكانت النتيجة أن أسعار السوق هي أقل بـ50% من الأسعار المتعاقد عليها، وبناء على ذلك تم توجيه مديرية الصحة لإعادة الإعلان بالسرعة الكلية.. وبعدها وردت عدة أضابير لعقود أخرى
«تجهيزات طبية ومستهلكات» تم تصديقها فوراً كجهاز التخدير العام ومولدة كهرباء250ك.ف.أ وإضاءة غرف عمليات وتأمين لباس عمالي.. وطلب آخر لتفشيل مناقصة لشراء شرائح تحليل السكر بسبب وجود عيب في الشروط الفنية.. وبعدها طلب مدير الصحة أن يقوم بشراء/11/ مادة من المستهلكات الطبية كون المخزون لا يكفي لأكثر من /15/ يوماً.. وأن المديرية تأخرت في إعلان استدراج العروض وقد سمح لها بذلك وفق قانون العقود/51/.
ويتابع د. جري حسب محضر جلسة المحافظة: إنه من تاريخ12-9-2017 وحتى20/9 ورد إلى المكتب المختص 19 عقداً أغلبها مستهلكات طبية وتم تصديق هذه العقود بتاريخ/20/9 من قبل المكتب التنفيذي كون المخازين من هذه المواد قليلة ولا تكفي لأكثر من/15/ يوماً.. مع تحميل مديرية الصحة مسؤولية الأسعار الواردة في المناقصات..
كان هذا الرد ضرورياً لإقناع أصحاب الرؤوس الحامية في مجلس المحافظة بأن هناك من«يلغم» تصريحاته واستغلال «عواطف» الغيارى على الصحة العامة من أن لادواء في مستودعات الصحة, وتحميل هذه المسؤولية للمكتب التنفيذي والمحافظ.. وحقيقة الأمر فإن الغايات غير ذلك..
كنا قد عرضنا في تحقيق طويل في العدد13041 تاريخ25-10-2017 لعقود الدواء التي وقعتها مديرية الصحة.. وكيف أن المحافظة شكلت لجنة لسبر أسعار تلك الأصناف، وعندما بينت اللجنة أن هناك فروقات كثيرة في الأسعار طلبت من مديرية الصحة إلغاءها والإعلان من جديد عنها..
منذ أيام أرسلت مديرية الصحة محضر أعمال لجنة المناقصات التي تحمل النتائج الجديدة للعروض المتقدمة وأسماء الفائزين في المناقصات مع الأسعار والكميات والقيم النهائية.. ونتائج هذا المحضر تؤكد شكوك المحافظة وشكوكنا أيضاً.. ففي المناقصة الأولى كان هناك عارض واحد فقط تعاقدت معه المديرية على توريد كل الأصناف التي أعلنت عنها.. وإعادة الإعلان أدت إلى وجود عارضين جدد حيث تمكنت هذه المنافسة من كسر في الأسعار سنفاجأ بنتائجه.. وسنعرض فروقات الأسعار في كل صنف لنصل بالنتيجة إلى عشرات الملايين.
التفاصيل
– أتور فاستاتين 20 ملغ: كان سعر التعاقد السابق37,5 ليرة للحبة الواحدة، أما في العرض الجديد فالسعر 16,5 ليرة للجنة.. والعارض السابق قدم سعر /17/ ليرة أي أن العارض السابق قام بتخفيض سعر الحبة من37,5 إلى/17/ ليرة.. وعلى أساس الـ 16,5 ولكمية /450/ ألف حبة تكون قيمة المناقصة /7,425/ ملايين ليرة بينما كانت قيمة الأولى 16,875 مليون ليرة.. بفارق 9,450 ملايين ليرة. – كلوبيدو غريل 75 ملغ: كان سعر المناقصة السابقة 41,5 ليرة للحبة والعرض الجديد هو/13/ ليرة فقط للحبة، لتصبح قيمة الصفقة لـ/400/ ألف حبة هي/5,2/ ملايين ليرة، بينما كانت القيمة في العقد السابق /16,6/ مليوناً بفارق وصل إلى 11,4 مليوناً. والغريب فعلاً أن العارض نفسه في المناقصة السابقة هو الذي قدم السعر الجديد/13/ ليرة..!؟.
-ميتوفورمين500 ملغ. كان سعر التعاقد في المناقصة الأولى 9,2 ليرات للحبة الواحدة وفي العرض الجديد تم تقديم/6/ ليرات للحبة وبذلك تكون قيمة الصفقة ولـ700 ألف حبة /4,2/ ملايين ليرة، بينما /2,240/ مليون، مع الإشارة إلى أن العارض القديم قدم سعر 6,5 بدلاً من9,2 ليرات في عرضه السابق.
-ميتوفورمين850ملغ: كان سعر العقد السابق 15,5 ليرة للحبة الواحدة أما في العرض الجديد فإن سعر الحبة/6/ ليرات وبذلك تصبح قيمة الصفقة لـ /700/ ألف حبة هي/4,2/ ملايين ليرة بينما كانت في العقد السابق 10,850 ملايين ليرة أي بفارق 6,650 مليون ليرة
-رانتدين150 ملغ: كان سعر التعاقد السابق 16,3 ليرة للحبة الواحدة وفي العرض الجديد/8/ ليرات وبذلك تصبح قيمة العرض الجديد لـ/500/ ألف حبة هي/4/ ملايين ليرة بينما كانت وفق العقد القديم 8,150 ملايين ليرة بفارق 4.150 ملايين ليرة.
-ايزو سوربيد دينترات 10 ملغ: كان سعر العقد القديم 14 ليرة للحبة الواحدة، أما في العرض الجديد فالسعر هو 9 ليرات للحبة فتصبح قيمة العرض الجديد 300 ألف حبة هي 2,7 مليون ليرة بينما كانت في العرض القديم4,2 ملايين ليرة أي بفارق 1,5 مليون ليرة.
– ايزوسوربيد دينترات 20 ملغ: كان السعر القديم 14.25 ليرة للحبة، أما العرض الجديد فهو9,5 ليرات.. وبذلك تكون قيمة العرض لـ/300/ ألف حبة هي 2,850 مليون ليرة في حين كانت في العرض القديم 4,275 ملايين ليرة أي بفارق 1,425 مليون ليرة، والغريب أيضاً أن هذين الصنفين قد تعاقد عليهما المتعهد نفسه.. والذي كسر الأسعار إلى هذا الحد بفعل المنافسة.. كما في بعض الأدوية التي نوهنا بها سابقاً.
– أما إيبو بروفن 400 ملغ و600 ملغ فإن فارق السعر بين العقد القديم والعروض الجديدة حوالي/500/ ألف ليرة.. أيضاً للعارض السابق نفسه.. وبذلك يكون فارق السعر بين العقود القديمة, التي أريد تصديقها والعروض الجديدة ولـ7 أصناف دوائية فقط هو 37,3 مليون ليرة.. كانت ستذهب إلى جيوب المستفيدين وليس إلى خزينة الدولة أو توظيفها في أماكن أخرى.. كشراء أجهزة طبية مثلاً..!!
كانت العقود السابقة الخاصة بالأدوية لسبعة أصناف دوائية مع عقدين للمعقمات.. أما في المحضر الذي رفعته مديرية الصحة فقد تضمن/15/ صنفاً, لذلك فهناك مايؤكد.. ومن يؤكد أنها لم تكن واردة في الإعلان الأول.. وورد في دراسة أسعار مناقصاتها أنها أعلنت للمرة الثانية أي بعدما أعادت المحافظة العقود السابقة بسبب ارتفاع أسعار موادها وهذه لها حكاية أيضاً.. إلا إذا كانت مديرية الصحة في كتابها 1552/لص ح تاريخ 1/6 الذي تطلب فيه من المحافظ تفشيل مناقصة لخمسة أصناف دوائية بسبب ارتفاع أسعارها وذلك بعد سبر الأسعار في السوق..
عدت هذه العقود منفصلة عن العقود السابقة.. وأخيراً جمعتها بمحضر واحد ورفعته إلى المحافظة.
الحكاية
استناداً إلى الكتاب السابق الذي تطلب فيه مديرية الصحة تفشيل المناقصة وتشكيل لجنة سبر لأسعار المواد المراد التعاقد عليها واستناداً إلى حاشية المحافظ على الكتاب ذاته تم تشكيل لجنة مختصة بتاريخ 11/7/2017 لمقارنة أسعار المواد الدوائية المقدمة للمناقصة مع أسعار السوق المحلية وانتهت اللجنة إلى أن هناك أربعة أصناف تزيد أسعارها عن أسعار السوق.. وأنها متوافرة في السوق المحلية بسعر أقل من السعر المقدم من العارض الذي رسا عليه العرض وهناك مادة واحدة يتوافق سعر العارض فيها مع سعر السوق.. علماً أن مهمة اللجنة وفق الكتاب إجراء المقارنة بين العروض المقدمة والوصول إلى السعر الاقتصادي..
وهذه الأصناف هي: أتورفا ستاتين 40ملغ- ايزوامبرازول 40ملغ- ايزوامبرازول 20 ملغ- اتورفاستاتين 10 ملغ- 1 ميلو دبين 5 ملغ- نورد ذلك لنقول إن مديرية الصحة هي التي طلبت تفشيل المناقصة بسبب ارتفاع السعر وتشكيل لجنة لسبر الأسعار للوصول إلى السعر الاقتصادي.. وهي تخالف نتائج اللجنة.. كيف؟!..
اللجنة التي شكلت بالأمر الإداري 1403/ لص. م تاريخ 11/7/2017 سبرت أسعار المواد الآنفة الذكر فكانت الأسعار وفق الآتي: تراوحت أسعار اتورفاستاتين 40 ملغ بين 51 و54 و41,5 للحبة الواحدة ومن خمس شركات.. وكان سعر المناقصة هو 70 ليرة للحبة الواحدة..
وتراوحت أسعار اتورفاستاتين 10ملغ بين 16,05 و16,7, أما سعر المناقصة فهو21,25 ليرة للحبة الواحدة..
وفي المحضر المرفوع إلى المحافظة وفيما يتعلق بالأتورفا ستاتين 40 ملغ فإن العرض المقبول 69 ليرة للحبة للعارض نفسه الذي تقدم سابقاً بـ 70 ليرة وإذا كان أقل سعر وصلت إليه لجنة السبر هو 41,5 للحبة فكيف لمديرية الصحة أن تقبل بسعر 69 ليرة ولمصلحة مَنْ؟!..
وهنا فإن قيمة العقد على أساس 69 ليرة ولكمية 250 ألف حبة هو 17,25 مليون ليرة بينما لو تم احتسابها على أساس السعر الأقل «الاقتصادي الذي تبحث عنه المديرية » 41,5 لكانت القيمة 10,375 ملايين ليرة أي تحقق وفراً في هذا العقد فقط مقداره 6,875 ملايين ليرة..
أما بالنسبة لصنف أتورفاستاتين 10ملغ فإن العرض الفائز هو سعر 21 ليرة للحبة الواحدة وكما ذكرنا فإن لجنة مديرية الصحة وأثناء سبر أسعار هذه المادة حصلت على أسعار تتراوح بين 16,05 و17,2 فكيف توافق على سعر 21 ليرة على أساس أنه السعر الاقتصادي.. علماً أن هذا العرض يعود للعارض نفسه في المناقصة السابقة وكان حينها قدم السعر على أساس 21,25 ليرة للحبة أي بفارق 0,25 ليرة عن السابق.. وإذا اعتمدت المديرية هذا العرض فإن الفارق بينه وبين أقل سعر لدى لجنة السبر هو 16,05 ولـ 600 ألف حبة هو 2,970 ليرة, أما في الصنفين فيكون الفارق 9,845 ملايين ليرة ونعتقد أن خزينة الدولة هي أولى من جيوب الآخرين!..
وأيضاً
أبرمت مديرية الصحة العقد 4 لعام 2016 لتوريد دواء ميتوفورمين 850 ملغ باسم تجاري كلوكوميت 850ملغ لكمية 600 ألف حبة.. ونظراً للظروف الأمنية السيئة آنذاك في حلب- لكونه ينتج في أحد معامل الدواء الحلبية فقد تعذر تنفيذه.. اقترح المتعاقد معه على مديرية الصحة استبدال الاسم التجاري للدواء في شركة أخرى تحت اسم تجاري غليسيفاج 850 ملغ بالمواصفات الطبية نفسها والسعر المتفق عليه نفسه في العقد وتم تقديم الموافقات المطلوبة والنماذج وأن الدواء استوفى كل الشروط والمواصفات الطبية وحاز موافقة اللجنة الفنية للدواء في مديرية صحة طرطوس وكان سعر التعاقد حينها 8,95 ليرات للحبة مع أنها قدمت هذا الصنف ضمن محضر العقود بسعر 13,22 ليرة. والسؤال: إذا لم ترغب بالاستجرار من هذا المتعاقد أو لم تقبل بالصنف البديل.. لماذا لم تقم بالتنفيذ على حساب المتعهد «المتعاقد» ولا تضع نفسها تحت خسارة فرق السعر 4,27 في الحبة و2,562 مليون ليرة لـ 600 ألف حبة, علماً أن الدائرة القانونية في المحافظة طلبت من مديرية الصحة وعن طريق المحافظ اعتراض المتعاقد الأول الذي يرجو إعادة النظر مع التزامه بالسعر القديم أي 8,95 ليرات منذ تاريخ 15/10/2017 مع الطلب من المديرية الاطلاع والإعادة وتقديم مذكرة تفصيلية وبيان المقترح.. وحتى كتابة هذه السطور.. لا جواب.. ولا هم يحزنون.
صحيح أن العرض الجديد المقدم هو أقل من سعر العارض الحالي لكن وصل سعر التعاقد في المناقصة السابقة إلى 15,5 ليرة ولولا حرص «الرقيب» آمر الصرف وانتباهه لكانت الخسارة 9,5 ليرات في كل حبة أي 5,7 ملايين ليرة لـ 600 ألف حبة طبعاً نحن نتحدث عن عقد تم توقيعه في 2016 بهذا السعر 8,95 وفي العام 2017 المناقصة السابقة 15,5 أما في المحضر الجديد 6 ليرات لنتخيل هذه الفوارق بالأسعار خلال فترات بسيطة لم يطرأ فيها أي تعديل على أسعار الدواء..
وبعد..
هناك الكثير لنقوله فيما يتعلق بمناقصات الدواء التي تجريها مديرية صحة طرطوس وهناك الكثير من المخالفات في اختيار السعر الاقتصادي الذي تبحث عنه مديرية الصحة «على أساس» فيكفي أن نشير إلى مذكرة تفصيلية قدمت لمحافظ طرطوس توضح باليوم والتاريخ والوقائع أيضاً كيف تتأخر مديرية الصحة في إرسال عقودها للتصديق.. وكيف أن نتائج عمل لجنة 5452 الخاصة بسبر الأسعار التي شكلها المحافظ قد أدت إلى تخفيض في الأسعار وصل إلى 50% وأكثر في بعض الأصناف..
ورغم ذلك ورغم الحاجة الماسة للدواء, كما تحدث مدير الصحة في اجتماع مجلس المحافظة, فإن المديرية استغرقت وقتاً طويلاً لإرسال محضر المناقصات وليس العقود لذلك يتساءل البعض: هل فعلاً أن مستودعات مديرية الصحة من الدواء قد شارفت على النفاد.. وإذا كان ذلك فعلاً لماذا تستغرق كل هذا الوقت حتى ترمم مستودعاتها..
أما الأهم فهو إذا كانت المديرية حريصة على الوصول إلى السعر الاقتصادي وطلبت تفشيل عقود خمسة أصناف دوائية وشكلت لجنة من المديرية لسبر أسعارها كيف تتعاقد على صنف بسعر 69 وهناك سعر أقل من ذلك بكثير أم إن تخفيض ليرة واحدة من قبل العارض نفسه شكل إغراء للمديرية وأقنعها بأنه السعر الاقتصادي..
لدينا الكثير لنقوله لكننا سنؤجل ذلك إلى حين.
سلمان عيسى
تشرين

