أحبائي و أشقائي أطفال الغوطة، أرجو لكم السلامة، و أن تكونوا بخير في هذه الأيام المجنونة، أعرف أنكم سمعتم بقصتي وتعاطفتم معي، و أعرف أن قلوبكم الصغيرة تتألم، فشعور الخوف و أزيز الرصاص و أصوات الانفجارات مرعب جداً، فأنا عشته مثلكم في حلب منذ ولادتي.
لا أعرف ماذا كان يجري في مدينتي حلب، و لا أعرف لماذا كان هنالك حرب ولكنني الآن في روضتي الجميلة، ألعب مع رفاقي، لم أعد أسمع أزيز الرصاص و لا أصوات الانفجارات و هدير الطائرات.
أصبحت مشهوراً عندما صورني المسعفون أصحاب الخوذ البيضاء، وجعلوني لعبتهم، كنت مذهولاً ومصدوماً، كان أبي يصرخ بحدة، يريد من المسعفين أن يمسحوا جروحي، بينما هم يتناقشون في "اللوك" الأفضل للصور ويحملوني من مقعد إلى آخر فرِحين، ويرشون على وجهي بودرة ويعبثون بوجهي و شعري ثم يصورون مجددا، حينها لم أعد أسمع أزيز الرصاص و لا الانفجارات، فقط أسمع صوت مغاليق عدسات المصورين.
بعد ساعات انتهى كل شيء، لكنني تألمت كثيراً عندما مسحوا جروحي بالكحول، أخذني أبي، احتضنني كعصفور، ثم خبأني في حضنه ومنع العدسات من الاقتراب مني، لان صوتها أصبح يخيفني أكثر من صوت الرصاص و الانفجارات و هدير الطائرات.
أخفاني عنهم، حلق لي شعري الجميل، حزنت كثيرا، ولم اعرف السبب و عندما سالته قال لي حتى لا يتعرف إليك أصحاب العدسات الشريرة، عندما تعود مدينتنا إلينا ويغادروها سأطيل لك شعرك.
بعد شهور شعرت بأن أبي قلق جداً و ينتظر حدثاً مهماً، كانت أصوات الرصاص اقوى بكثير من يوم أُصبت بالانفجار، وبعد أيام خفتت الأصوات المرعبة، كان أبي يتصل مع اشخاص و يقول لهم نعم سآتي فورا نعم نعم، كل ثقة بكم، سأحضر عائلتي، كنت أنتظر هذه اللحظة، سأصل خلال ساعة إلى المعبر.
أخذنا أبي في شوارع مدمرة وغريبة حتى وصل إلى أشخاص كان ينتظرونه بكى أبي، عندما سلم عليهم و عانقهم وشكرهم، وشكر الله بأنهم خلصوا حلب المظلومة و شعبها البريء.
لم نعد نسمع أصوات الحرب إلا قليلاً، دخلت في الروضة، وتعرفت على أطفال كثيرين، مثلي فقدوا إخوة و فقدوا آباء كانوا يلاحقون أصحاب العدسات الشريرة و أصدقاءهم الذين يحملون البنادق، لطردهم و إبعادهم عن الاطفال.
و الان سمعت من أبي أنكم تمرون في نفس الظروف الصعبة وهنالك رصاص وقنابل، و أن الحرب انتقلت إليكم، و أن أصحاب العدسات، الشريرة يصورونكم، بدل أن يحموكم و يبعدوكم عن ساحات الحرب و الخطر.
انا حزين لأنهم يكررون نفس الفعل الذي يكرهه أبي، و أبي لا أحد يحبني في العالم مثله، هو هرع لإسعافي و ليس لتصويري، ولو كان التصوير قبل الاسعاف أمراً جيدا للأطفال المصابين و لجروحهم لكان أول من صورني، لا أريد رؤية صوركم مصابين و غارقين في دمائكم مفارقين حياتكم قبل أن تبدأ، أريد أن تبتعد الحرب عنكم كما ابتعدت عن حلب الجميلة، لا أعرف من يحارب من ولماذا، ولكني أعرف أني الان في وضع أفضل أذهب إلى روضتي الجميلة، و ألعب في الشارع ،و لا اسمع أصوات الحرب و لا أصوات العدسات الشريرة.
يا إخوتي قولوا لآبائكم ان يحذروا من أصحاب العدسات الشريرة، و من بعض أصحاب الخوذ البيضاء، لأن أبي قال لي قسم من هؤلاء لا يهتمون إلا بتصويرنا لقبض ثمن الصور، وبدون حرب ومصابين وصور لن يحصلوا على المال، ربما هم فقراء ويريدون شراء الألعاب لأطفالهم قلت لأبي، فضحك وقال لا تشغل بالك يا حبيبي عندما تكبر ستعرف كل الحقيقة.

