على مدار الأسبوع الماضي، قضيت معظم لياليه أتفحص وأمحص مشروع مرسوم تنظيم عمل وزارة الأوقاف الجديد، وخرجت بعد التدقيق بالانطباعات السريعة التالية (وأصر على كلمة الانطباعات، لأنني أكره إصدار الأحكام في قضايا لست متخصصة بها):
1- ظاهر المرسوم يبدو وكأنه عملية ضبط وتنظيم وتفكيك لفوضى النشاط الديني في المساجد والزوايا والمعاهد الدينية، وهو يعطي للوزارة سلطة كبيرة على هذه الكيانات، وهذا أمر بالتأكيد مطلوب ومأمول فيما لو طبق، لكن المشكلة أن المرسوم يبدو وكأنه مفصل على مقاس وزير الأوقاف الحالي الموثوق به من قبل الدولة، أي بمعنى أنه مرسوم مرتبط نجاح تطبيقه بدون شطط بشخص معين، فماذا لو غادر الشخص الوزارة، وهذه طبيعة الأشياء، وجاء آخر، شيخ من الشيوخ المتشددين مثل شيخ "تكفير ريتا والمدارس غير الشرعية" ما الذي سيحدث، وما الضامن أن السلطة المفرطة في قوتها لن تتحول مرة أخرى إلى بنادق في صدورنا؟
2- مشروع المرسوم يعطي لوزارة الأوقاف صلاحيات التدخل في كافة شؤون الحياة اليومية عبر تقنين وجود ممثلين عنها في كافة مؤسسات الدولة, بداية بالمجالس البلدية ونهاية بجميع اللجان الوزارية على اختلاف تخصصاتها، وهذا ما سيضع أكلنا وشربنا وتعليمنا وخدماتنا... الخ تحت سطوة الافتاء، وقانون الحلال والحرام، وهذا يعني أنه لن يصدر قرار بعد اليوم في أي مفصل من مفاصل العمل العام مهما صغر، ما لم يكن ممهورآ بختم "مذبوح طبقآ للشريعة الاسلامية"!
3 - لم أفهم لماذا يقنن وجود فريق ديني "تطوعي" - وانتبهوا لكلمة تطوعي في مرسوم؟ - إلا اذا كان المقصود تحويله إلى سلطة من سلطات وزارة الأوقاف، وهذا خلط يثير الريبة، بين الرسمي والمجتمعي المدني!
4 - أيضا لم أفهم ما الحاجة لإشراف وزارة الأوقاف على صناديق الزكاة، وهي صناديق مولت العمل الإرهابي في بداية الحرب علينا، ولماذا لا تنقل تبعية هذه الصناديق لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهو أمر في صلب تخصصها!؟
5 - معظم بنود مشروع المرسوم غير محكمة، فضفاضة، هلامية العبارات، وحمالة أوجه، وهذا أمر يجعلها عند التطبيق مرهونة بوجهة نظر وتأويل واجتهاد المطبق، وهو أمر جد خطير، لأنه يربط متغير له سطوة مجتمعية كبيرة بمزاج واجتهادات أفراد!
6 - مشروع المرسوم يروج له بالخفاء باعتباره سياسة دولة، وهذا أمر يستعدي المخالفين لبنوده على الدولة.. لأنها تحابي تيارا على حساب باقي التيارات المجتمعية، وايضآ هذه مشكلة كبيرة ليس وقتها ولا زمانها ولا مكانها الآن، ولذلك أعتقد أن الحوار الجاد حول بنود القانون ضرورة وطنية لتصويب المسار قبل اقراره.
أخيرآ: مشروع القانون لم يعرض بعد على مجلس الشعب لإقراره، والكرة الآن في ملعب ممثلي الشعب بعدم تمرير القانون قبل دراسته ومناقشته من جميع الأعضاء بتأن شديد، وبما يفصل بين السلطات ويدع ما للرب للرب وما للسلطان للسلطان، لأن مستقبل الوطن أمانة بين أيديهم، ولا عذر لهم إن ادعوا يومآ أنهم وافقوا بناءآ على توجيهات!

