جلس بجانبي في مجلس عزاء لاحد الشهداء (امطر الله عليهم شآبيب رحمته) وبعد السلام همس في أذني بلهجة استنكارية قائلا: ما رأيك بمراسيم العفو المتتالية التي تصدرها (الحكومة) عن المسلحين والفارين؟ ولأنني اكره الكلام في العزاء وخاصة عند تلاوة آي الذكر الحكيم, قلت له: تصرف صحيح.. دعنا ننصت لآي الذكر الحكيم وغدا سأجيبك.. فلهذا الأخ الكريم أقول:
إن أهم الصفات التي يجب توفرها في القائد، هي العفو واللين تجاه المذنبين التائبين، والعصاة النادمين، والمتمردين العائدين، والقائد هو لكل المواطنين والمجرمين منهم قبل المحسنين.. ولو ان من يتصدى للقيادة تخلى عن هذه الخصلة الهامة، وافتقر إلى روح التسامح، وافتقد صفة اللين، وعامل من حوله بالخشونة والعنف والفظاظة فانه سرعان ما يواجه الهزيمة، وسرعان ما تصاب مشاريعه وبرامجه بنكسات ماحقة، تبدد جهوده، وتذري مساعيه أدراج الرياح، إذ يتفرق الناس من حوله، فلا يمكنه القيام بمهام القيادة ومسؤولياتها الجسيمة، ولهذا فإن: «آلة الرياسة سعة الصدر». وسأورد لك مثالين لتقريب الفكرة من ذهنك...
المثال الأول: في معركة "اُحد" انفضَّ المسلمون من حول الرسول (ص) وخالفوا تعليماته, وخذلوه, وهربوا لا يلوون على شيء, وتركوه يواجه مصيره, ولم يبقَ معه سوى ثلاثة عشر فقط من اتباعه, من اصل(754) كانوا تحت امرته (ص). وبعد رجوع المسلمين من «أُحد» أحاط الفارون من المعركة برسول الله (ص) وأظهروا له الندامة من فعلتهم وموقفهم، وطلبوا منه العفو. فأصدر الله سبحانه إلى نبيه (ص) أمره بأن يعفو عنهم، ويتجاوز عن مسيئهم ويستقبل المخطئين التائبين منهم بصدر رحب. إذ قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك). ولقد أشير في هذه الآية ـ قبل أي شيء ـ إلى واحدة من المزايا الأخلاقية لرسول الله (ص)، ألا وهي اللين مع الناس والرحمة بهم، وخلوه من الفظاظة والخشونة. وبهذا يشير سبحانه إلى ما كان يتحلى به الرسول الأعظم (ص) من لين ولطف تجاه المذنبين والجاهلين. ثمّ إنه سبحانه يأمر نبيه بأن يعفو عنهم إذ يقول: (فاعف عنهم واستغفر لهم). وهذا الكلام يعني أنه سبحانه يطلب منه (ص) أن {{يتنازل عن حقه لهم}} إذ تفرقوا عنه في أحلك الظروف، وسببوا له تلك المصائب والمتاعب في تلك المعركة، وأنه يشفع لهم لدى نبيه بأن يتجاوز عنهم، وأن يشفع هو بدوره لهم عند الله ويطلب المغفرة لهم منه سبحانه. وقد فعل الرسول الكريم (ص) ما أمره به ربه وعفى عنهم جميعاً.
المثال الثاني: عند فتح مكة انتظر أهلها الذين كفروا بالله وأخرجوا رسوله وحاولوا قتله وآذوه وآذوا أصحابه وحاربوهم... انتظروا جميعا منه (ص) أن يقتصَّ لقتلاه ولبعض ما فعلوه معه وظنوا أنه سوف يقتلهم أو يصلبهم أو يعذبهم ولكن ما كان منه (ص) إلا وخاطبهم قائلا: "ما تظنون أنى فاعل بكم؟. "قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم،.فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم". فبالرغم من كل الجرائم التي ارتكبوها بحق النبي (ص ) وبحق المسلمين، إلا أنه لم ينتقم منهم وعــفى عنـهم.. واختم بقوله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب
2026.06.18
"دير ماما" الدير الغائب وذاكرة القديس في جبال مصياف
2026.06.18
تاريخ فيضانات وطوفانات نهر العاصي في مدينة حماة
2026.06.17
قول آخر في شخصية "آنا كارنينا" في الرواية التي تحمل اسمها للعظيم ليون تولستوي
2026.06.16
2019.02.17

