يروى في التراث العربي أن الخليفة الأموي (معاوية بن أبي سفيان) أوصى أبنه (يزيداً) قُبيل وفاته بأن يرعى الحسن والحسين لأنهما سبطا رسول الله (ص) فقال له يزيد: يا أبتاه أنت تنصحني بأن أرعاهما وأنت فعلت ما فعلت مع أبيهما؟! فقال معاوية: ”صهٍ.. إنها السلطة.. فوالله لو كانت في صدرك لانتزعتها من كبدك”.
إنها السلطة إذن. مشروع (أردوغان) هو مشروع سلطوي في الأصل، فهو عندما كان يرتاد المدارس الدينية التابعة لأستاذه رئيس الوزراء التركي الأسبق(نجم الدين أربكان) لم يكن يأتي للعلم و إنما لتعلّم أصول الحكم الإسلامي. لذلك قال عنه أربكان: (صحيح أن أردوغان دخل المدرسة الدينية.. لكنه هرب من الباب الخلفي..). الله و الدين ليسا لهما أهمية في المشروع السلطوي.. المهم هي السلطة و كل ما عدا ذلك أدوات و (عدّة شغل). فالله و الدين و مصالح الدولة والناس كلها أدوات في خدمة المشروع السلطوي. القداسة للسلطة دائماً.
الحاكم الذكي لا يفصح عن جشعه السلطوي أو عن مشروعه بشكلٍ عارٍ، بل يغطيه بمشاريع سياسية و اقتصادية كبرى. (أردوغان) هو مزيج من معاوية و عمرو بن العاص و ميكافيلي، و في حضوره الخطابي يستلهم (هتلر و موسوليني).
جاء إلى الحكم باتفاق مع المخابرات الأميريكية التي تفاوضت معه و هو في السجن (دخل السجن بتهم فساد عندما كان رئيساً لبلدية اسطنبول). قدم الرجل مشروعه المنسجم مع مشروع المحافظين الجدد في أمريكا، و صرّح لاحقاً أنه الرئيس الثاني لمشروع الشرق الأوسط الكبير. الأميركان كانوا يراهنون على تيار إسلامي يحاربون به التيارات الاسلاموية المتطرفة التي انقلبت عليهم، فوجدوا في الأخوان المسلمين ضالّتهم. و استطاع (أردوغان) خلال سنواتٍ قليلة -بمساعدة الأميركان و البريطانيين - أن يصبح الزعيم الروحي للأخوان المسلمين في المنطقة، و حمل مشروع إعادة إحياء الخلافة الإسلامية التي كانت الامبراطورية العثمانية تحمل رايتها. داعب هذا المشروع خيال الأخوانيين فبايعوه.. و بدأت الحكاية المعروفة بدءً من سياسة(صفر مشاكل) التي وضعها الثعلب التركي(أحمد داوود أوغلو).. وصولاً إلى ما سمي (الربيع العربي) و حتى محاولة الإنقلاب الأخيرة في تركيا ضد حكم (أردوغان).
استغرب كثيرون حجم العنف الذي يمارسه أردوغان ضد المشاركين في المحاولة الانقلابية.. استغربوا ذبح جندي.. و قطع أذن جنرال.. و إهانة الجيش.. و ملاحقة الخصوم في كل أجهزة الدولة و في كافة المدن و البلدات و القرى التركية.. مَن يفهم كيف يتصرّف الديكتاتور صاحب المشروع السلطوي لا يستغرب ذلك، و مَن يعرف شخصيّة (أردوغان) لا يستغرب هذه التصرفات التي تعكس (إيديولوجيا العنف الديني) التي يؤمن بها، فضلاً عن طبيعة الشخصية التركية العنيفة و المجرمة، و في تاريخ الأمبراطورية العثمانيّة حالات من العنف لم تشهد لها البشريّة مثيلاً، بل إن ما تمارسه التنظيمات الإرهابية اليوم في مناطق سيطرتها في سورية و العراق و ليبيا.. و في عملياتها الإرهابية في مختلف الدول هو في حقيقته تمثّلٌ معاصرٌ للتراث الدموي للخلافة الإسلامية و من ضمنها الخلافة العثمانية.
إذن (أردوغان) ينهل من تراثٍ مليء بالقتل و الذبح و التقطيع. ألم يكن أعظم إنتاجات أجداده ثقافة( الخازوق)؟! فهو في ذلك متّبع و ليس مبتدع. و كل ما يفعله اليوم من انتقامٍ من خصومه إنما هو ترجمة معاصرة لثقافة الخازوق. التركي سواء كان (طورانياً) – أي قومياً متطرفاً- أو كان إسلاموياً ينشد استعادة مجدٍ غابر، أو يسارياً أو يمينياً يبقى هو التركي ذو الرأس اليابس و اليد القاتلة و القلب المملوء بالحقد على الإنسانية. فلا تصدّقوا تركيّاً مهما كانت دعاواه السياسية أو الإنسانية، و مهما كانت لغته في الخطاب.. الأتراك أعداء تاريخيون لنا.. هم شركاء بني صهيون في قتلنا و تفتيت وحدتنا السياسية و كياناتنا القائمة حالياً، بل إنهم في سنواتٍ قليلةٍ فعلوا فينا ما لم يستطع أن يفعله الصهاينة في 60 عاماً. قد يعترض قائل بالقول ما ذنب الشعب التركي فهو جار و كان في يومٍ ما شقيق و صديق. أقول ردّاً على ذلك لو كان هذا الشعب صديق و جار و أخ لما أعاد انتخاب (أردوغان) و طغمته ليستمرّوا في ذبحنا و تدميرنا.
غداً قد يبدّل (أردوغان) بعضاً من مواقفه السياسية من الأزمة السورية و من العراق.. فلا تصدّقوه.. لأنّ جلّ ما يفعله هو إعادة إنتاج مشروعه السلطوي بعد أن تبيّن له أن الخيارات السابقة لم توصله إلى النتائج التي كان يرجوها. إنّه يبحث عن آلياتٍ تجنّب مشروعه السياسي السقوط الكلّي بعد الخسارات الكبرى خلال سنوات الأزمة السورية.
*ملاحظة عابرة: أين (أحمد داوود أوغلو) من الانقلاب الفاشل و من انقلاب (أردوغان) على كل ما هندسه (أوغلو). هل من المعقول أن يكون (أوغلو) شريك (فتح الله غولين) في الحركة الانفلابية الفاشلة؟ و هل سنسمع قريباً عن اعتقال( أوغلو) أو مقتله؟
توركي أدب سيس بالفعل.. و ابن خنا و زنا و هكّ و مكّ.. و أشياء أخرى.
* الصورة غلاف مجلة (الايكونوميست) التي علّقت: ديمقراطي أم سلطان؟

