ضربت الشاطيء عاصفة بحرية هوجاء، غرق قارب صيد صغير وتقطعت شباكه، وقذفت بها الأمواج العاتية على الصخور القاسية، فأصبحت كومة من الخيطان والعقد، لها أول وليس لها آخر.
هكذا أشبه الحال التي وصلت لها المسألة السورية (بلاد الشام والعراق) والتي تتشابك وتتعقد يوما بعد آخر. حيث أن القوى الإقليمية والعظمى كل منها يجاهد لنيل الحصة الكبرى من (فروة الدب)؟
ما تفعله القوى الخارجية هذا شأنها، وفي حال التشرذم التي نعيشها ليس لنا حيلة للتأثير بها. وما نستطيعه هو إنتقاد أنفسنا وكشف مواضع الخطأ والضعف وتصحيحها، ولكن هيهات...، فقد تربينا زمنا طويلا على الإنتهازية والنفاق وباتت كلمة العلم والعقل الصريحة منبوذة مستهجنة. فكل طرف مصر على موقفه مستبد برأيه متهم الطرف الآخر بالتسبب بالكارثة وتابع لهذه أو تلك القوة الخارجية.
في الآونة الأخيرة عاد الحديث مجددا عن لجنة وضع الدستور (وليس في دمشق كما هو مفروض) وكل قوة خارجية تعمل لفرض إرادتها وما يتوافق مع مصالحها من أجل تفصيل دستور لسوريا يتناسب مع مقاساتها. والدستور بنظرهم يعني شكل ومضمون الدولة السورية المستقبلية.
في ٨ أيار من عام ١٩٤٥ وقعت ألمانيا وثائق إستسلامها وجرى تقسيمها إلى أربعة أقسام حكمت مباشرة من قبل القوى المنتصرة (الإتحاد السوڤييتي في الشرق وأمريكا وبريطانيا وفرنسا في الغرب). مضت ثلاث سنوات من عملية إعادة البناء الجادة الشاقة، وبعدها في عام ١٩٤٨ إجتمع كبار المشرعين وعلماء المجتمع في الأقسام الغربية الثلاثة وبدؤوا بمناقشة وصياغة الدستور الجديد. ثلاث سنوات من بعد نهاية الحرب كانت لازمة للبدء بصياغة الدستور؟
نحن الآن مازلنا نقاتل من أجل تحرير أراضينا ومن أجل الحفاظ على وحدة بلدنا وعلى وجود دولتنا ، كما أن الوضع الداخلي متمزق متشرذم ، فهذا وجد ضالته في رفع الصوت بالطائفية وفرح بسيطرته على أجزاء من المجتمع، وذاك يندب حظه من أن القوى الكونية غافلته وغدرت به، وثالث وجد الفرصة سانحة لتخليص اللقمة من أفواه الجياع ، ورابع ينادي بصوت خافت ضعيف إرحموا الوطن السوري منبع الحضارة الإنسانية. وكلنا وبالمجموع أصبحنا بضاعة في بازارات السياسة العالمية.
وليعلم الجميع وإذا بقينا على هذه الحال فليس منا رابح والكل خاسرون. وليس الوقت مناسبا لصياغة الدساتير وأي دستور يصاغ ويكتب من خارج سوريا فهو بالتأكيد ليس في صالحنا بل في صالح القوى التي تشرف عليه.
نستطيع العيش بدستورنا الحالي وربما مع بعض التغييرات الطفيفة (واللي بيسمع بيفكر إنو كل حياتنا عايشين وفق الدستور)، وبعد أن تهدأ النفوس المتوترة وتتحسن الأحوال المعيشية ونستعيد وحدة أراضي بلادنا ونعيد بناء التنظيمات السياسية المتهالكة ونحدث توازنا سياسيا مجتمعيا، عندها وعندها فقط يمكننا التفكير بتطوير بناء الدولة بما يتناسب تطور الحياة وإحتياجات الشعب.
حذار ثم حذار من الإنصياع لرغبات الآخرين والرضوخ لمشيئاتهم، فالدستور شأن وطني محض وهو توافق على عقد مجتمعي تقبل به كل أطراف المجتمع يصوغه ويؤلفه خبراء في التشريع والمجتمع والسياسة.
إن لم نحكم العقل ونقدم مصلحة الوطن على كل المصالح والأهواء الذاتية فلن نخرج من ورطتنا الكبرى.
سوريا مستمرة إلى ما شاء الله لها ذلك، وعلينا تقصير ليلها والإسراع بنهضتها. تحيا سوريا العلمانية الحضارية.

