شهدت هذه البلاد البائسة ملايين الجرائم التي لم تخطر في بال أعتى الساديين والمجرمين.. ليست جريمة السطو المسلح بذات قيمةٍ أمامها.. ومر مرتكبوها أمامنا بمنتهى الصلف والفجور دون أدنى قصاص ولولا أن المغدور حاول استخدام السلاح لما أطلق السارق عليه النار وكان اكتفى بأخذ المال دون إسالة الدماء وهو الشيء الذي يحدث بشكل اعتيادي في كل العالم أثناء السطو على البنوك أو المكاتب المالية.
واجه الجيش العربي السوري أعتى جيوش الارهاب بالبطاطا والبرغل والخبز الجاف وحين حمل الفقراء السلاح قضى الكثيرون منهم تطوعاً دون قيود وتركوا أولادهم يتضورون جوعاً ومذلة.. ونساءهم للصيادين خسيسي الأنفس وحتى الشهداء أعطي أهاليهم تعويضات لا تشتري بقرة.
في ذات الفترة كانت رؤوس الأموال تتغول والرواتب تسحق حتى غدت مثيرةً للسخرية.. وكانت الحرب بلا غطاءٍ أيدولوجي.. دافعوا عن مدنكم وقراكم وعن عزة أوطانكم وعن دولة الشعب...
الذي حدث أن طبقة رجال الأعمال الانتهازيين صار لها اليد العليا وصار شراء موظفي الدولة المسحوقين أمراً هيناً فساد الفساد ولم تؤخذ الدولة على محمل الجد.. وأسوء من هذا أن هذه البرجوازية عديمة الوطنية تستثمر في تعزيز النزعة الدينية التي تبذر كل أشكال الوهابية والاخونجية وتدفع المليارات في سبيلها.. وكيف تعتقد أن والد أحد الشهداء يرى منظر تقبيل الأيادي القبيسية التي تسيل منها الطائفية والتخلف حين يضع خسارته أمام المشهد في الميزان ويتساءل: أمن أجل هذا خسرت ولدي؟!
بمعنىً آخر الأشياء والمكاسب التي من أجلها حارب الفقراء والتي من أجلها قامت الثورة عام ٦٣ وأسقطت القوى البرجوازية والاقطاعية وحكمت القوى الشعبية والاشتركية فقدها الفقراء بشكل شبه كامل وعادوا فقراء أكثر مما كانوا تحت حكم الاقطاع والبرجوازية وبدؤوا يفقدون الأمل بأن يكونوا شيئاً ذا قيمةٍ في أوطانهم
هم أبناء الحكومة, والحكومة مشغولةٌ بحوافز الاستثمار وتدوير عجلة الانتاج التي مرت فوق رقاب الفقراء..
أحزنني هؤلاء العسكريون, وأنا لا أبرر مطلقاً, فهي جريمةٌ سافلة, ولكنها أثارت تشاؤمي وأعتقد أنها ستتكرر.
إني نذيرٌ لكم إن الفقر في المرة القادمة سيطلق النار ويفلت. وربما لن يهرب.. ذلك الفقر الذي دافع بدمه وأيتامه عن ثرائكم المرذول.

