كتب مروان حبش
س - كان حزب البعث في كل مؤتمراته القومية يؤكد على ضرورة اللقاء بين القوى الثورية والتقدمية، أنظمة وحركات، في الوطن العربي. ولكن ما حصل في بعض الساحات العربية كان عكس ذلك، فبدلاً من اللقاء كان الصراع، وهذا ما عانت منه حركات التحرير في اليمن الجنوبي، وخاصة بين البعثيين والقوميين العرب.
ما أسباب هذا الصراع، وكيف تمّ التغلب عليه؟
لا بد من إطلالة تاريخية سريعة على تلك المنطقة الإستراتجية التي اشتهرت باسم (عدن) والمطلة على مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.
حينما كانت البرتغال قوة بحرية صاعدة، احتلت عدن في عام 1513، ولمّا صعد نجم بريطانيا البحري، استولت على عدن عام 1839 وطردت البرتغاليين منها، وأنشأت على خليج عدن مصفاة كبيرة للنفط تزود منها أساطيلها البحرية، وأتاحت هذه المنشأة تكوُّن طبقة عمالية ناشطة، كان لها دور كبير في نمو الوعي القومي ومن ثم في النضال الوطني لإجلاء المحتل، وتزامن ذلك مع النهوض القومي العربي ووصول حركات تقدمية إلى السلطة في بعض الأقطار العربية، و أخص بالذكر ثورة 23 تموز في مصر، والانقلاب على نظام الإمامة في اليمن الشمالي، و ثورة 8 شباط في العراق، و ثورة الثامن من آذار في سورية، كما تزامن، أيضاً، مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وتدهور وضعها الاقتصادي، وهذا دفعها إلى التفكير الجدي لسحب قواتها من المستعمرات المتبقية تحت سيطرتها، وأعلنت أنها ستنفذ قرارات الأمم المتحدة بشأن تصفية الاستعمار و أن انسحابها من الجنوب اليمني سيكون قبل نهاية عام 1968.
عقدت بريطانيا مع المملكة المتوكلية عام 1934 معاهدة تقضي بترسيم الحدود مع بريطانيا دون المطالبة بيمنية الجنوب أو إحداث أي تغيير سياسي على هذه الحدود.
وتمهيداً لذلك، مع المحافظة على نفوذ سياسي لها، لجأت بريطانيا إلى تأسيس ما عرف باتحاد الجنوب العربي، ويضم سلطنات محمية عدن الذي استمر من 1959 إلى 1963، وكان القصد من هذا الاتحاد الفيدرالي خلق كيان قوي نسبياً، في المنطقة يقف بوجه الحركات الشعبية التحررية، ويقوّي عملاء بريطانيا هناك.
شكل القادة النقابيون في عدن عام 1956 هيئة إدارية للمؤتمر العمالي وأصدر المؤتمر، الذي كان للبعثيين فيه حضور مؤثر، دستوره الخاص الذي حدد شعاره السياسي بـ(وحدة _ حرية _ اشتراكية)، وانخرط المؤتمر بعد فترة من تأسيسه في المواجهة السياسية مع البريطانيين.
بدأ نضال المؤتمر العمالي، الذي يضم عمال المصفاة بشكل رئيس، ضد الاحتلال وضد الصيغ التي يعمل الاحتلال على تشكيلها لاستمرار نفوذه.
في بداية الستينيات أدرك المؤتمر العمالي أن نشاطه السياسي لا يجوز أن يبقى محصوراً في العمل النقابي، فوجد ضرورة قيام حزب سياسي يمتلك الشرعية و الكوادر ليمارس نشاطه السياسي بحرية، فأسس الحزب الذي سُمِي باسم حزب الشعب الاشتراكي في تموز 1962 وانتخب القائد العمالي عبد الله الأصنج رئيساً له.
تجاذبت إرادة القوى الوطنية المحلية تأثيرات مواقف الدول العربية و انعكاسها عليها، وخاصة مواقف اللاعِبَين القومييَن التقدمييَن الكبيرَين في اليمن الرئيس عبد الناصر والبعث.
تأسست الجبهة القومية في اليمن الشمالي في آب 1963باسم الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، بقيادة لفيف من المنتمين إلى حركة القوميين العرب وبدعم من الرئيس عبد الناصر، وبالتبني الكامل لها من قبل الجمهورية العربية المتحدة بثقلها العسكري والمالي والإعلامي والسياسي، وأعطي الضوء الأخضر للقيادة العسكرية المصرية في صنعاء بدعم الكفاح المسلح الذي تتبناه حركة القوميين العرب والقوى المتحالفة معها، وأعلنت الثورة من ردفان في الرابع عشر من تشرين الأول 1963.
وكان بعض المتنفذين في تلك الجبهة معروفين بعلاقاتهم الجيدة مع البريطانيين، وبواسطة هؤلاء كانت السلطة المحتلة تمد الجبهة بالسلاح وتسهل لها عملية الحصول عليه.
في شهر تموز 1964شكلت الأحزاب والقوى المعارضة للجبهة القومية، من بعثيين وقوى وشخصيات أخرى من جنوب اليمن المحتل وشماله، منظمة التحرير الوطنية بقيادة حزب الشعب الاشتراكي، وحددت أهدافها بالتحرر من الاستعمار ووحدة اليمن والالتزام بالوحدة العربية، وتبنت النضال بشقيه السياسي والعسكري للتخلص من الاحتلال.
وتحالفت هذه المنظمة مع المؤتمر العمالي لتوحيد نضالهما، وكانت لهما سيطرة واضحة على النضال الوطني.
في مؤتمر عقد في تعز في الشهر العاشر من عام 1964 وبمباركة من حكومة الشمال و وزير داخليتها الشيخ عبد الله الأحمر، وهو حليف للبعث، تشكلت جبهة التحرير من: منظمة التحرير الوطنية (حزب الشعب والبعثيين وقوى وشخصيات وطنية)، وحزب رابطة أبناء الجنوب، وهيئة تحرير الجنوب، وكانت هذه الجبهة هي القوة البارزة التي تنازع الجبهة القومية الدور الريادي للحركة الوطنية في الجنوب، وحظيت جبهة التحرير هذه، ورئيسها عبد القوي المكاوي وأنصاره، بقدر من التأثير والوزن السياسي والسمعة الحسنة.
وقفت الجبهة القومية منذ اجتماعها الموسع في صنعاء بتاريخ 24 شباط 1963 موقف المعارضة والحذر من عناصر في حزب الشعب الاشتراكي، بصفتهم أعضاء من حزب البعث العربي الاشتراكي ومتواجدين في المؤسسات العسكرية والمدنية بصنعاء، ويتمتعون بثقل كبير داخل هذه المؤسسات.
وقابلت الجبهة القومية جبهة التحرير بالريبة والشك، وبدأت نشاطاتها بالعمل ضد المؤتمر العمالي وجبهة التحرير، وقامت بسلسلة من الاغتيالات لقيادتيهما، ومن أبرزهم القائد العمالي البعثي "علي حسين القاضي".
كان حزب البعث العربي الاشتراكي يؤكد أن الكفاح المسلح، في عدن والجنوب اليمني، هو السبيل العملي لتصفية الوجود الاستعماري في جنوب اليمن، وكان يؤكد، أيضاً، على أن الحزب سيسهم بصورة فعّالة في هذا الكفاح وسيعمل من خلال جبهة تحرير الجنوب مع كل القوى التقدمية، و إذا كان الكفاح المسلح يتعارض مع وجود الحزب كمنظمة في الجبهة، فعلى الحزبيين أن يشاركوا في النضال كأفراد على أن يستمر الحزب في طرح وجهة نظره، والعمل الدائب على توسيع هذه الجبهة حيث تشمل جميع القوى التقدمية وتطوير نضالها لتأخذ كل أبعاد الثورة الشعبية المنظمة.
قرر مؤتمر القمة العربي الذي التأم في أيلول 1964 في الإسكندرية تقديم الدعم لحركات التحرر في اليمن الجنوبي وعُمان، وتوحيد الصف وتجميع كل القوى الوطنية في الجنوب في تنظيم واحد، وماطلت الجبهة القومية في السير نحو تشكيل منظمة واحدة للتحرير.
بعد قرار مؤتمر القمة العربي الثاني دعت اللجنة المنبثقة عنه ومن أعضائها مصر والسعودية منظمات الجنوب بمن فيهم السلاطين للاجتماع في شهر آذار 1965، و قدمت هذه اللجنة ميثاقاً يتبنى الكفاح المسلح واعتماده "الشكل الأساس للتحرير" ولكن المحاولة باءت بالفشل.
وبعد اتفاق جدة بين "ناصر _ فيصل" آب1965بذلت حكومة العربية المتحدة والأطراف السياسية في الحركة الوطنية اليمنية والجامعة العربية مساعي توحيدية، ولكن الجبهة القومية اعتبرت هذه المساعي التوحيدية تذويباً لكيانها في إطار تنظيمي جديد.
وادعت الجبهة القومية، أيضاً، بأن الدمج بين الجبهة القومية ومنظمة التحرير، الذي فرضته المخابرات المصرية في اليمن في 13 / كانون الثاني 1966 ووقعه عبد الله الأصنج وعلي أحمد السلامي في تعز، في تنظيم واحد هو جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل كان قسرياً، ونفى قحطان الشعبي أمين عام الجبهة القومية وجود أي صلة للجبهة القومية بهذا الدمج وبالبيان الذي صدر نتيجة ذلك.
اتهمت الجبهة القومية التيار المتشدد داخل قيادتها بأنه حال دون إنجاز عملية التوحيد المبكر مع حزب الشعب الاشتراكي وعبد القوي مكاوي، كما ادعت بأن إنشاء جبهة التحرير كان يرتبط بظروف عربية ودولية تسير كلها باتجاه تهيئة الظروف للوصول إلى تسويات سياسية على مستوى قضية الجنوب بالارتباط مع قضية الشمال.
وفيما بعد اتهمت الجبهة القومية المخابرات المصرية بأنها وقفت ضد توحيد القوى الوطنية التي قبلت بالكفاح المسلح، كما أنها اتهمت بريطانيا، أيضاً، بالمراوغة لإفشال أي توحيد.
وفي ضوء هذه الاتهامات، شابَ العلاقة الطيبة بين قيادة القوميين العرب وزعامة الثورة المصرية في ساحة العمل الكفاحي في الجنوب تناقضات كثيرة، وبدأت أقاويل على لسان بعض قياديي الجبهة القومية مفادها: إن الجمهورية العربية المتحدة تتخذ من نضال الجبهة ورقةً للضغط على بريطانيا كي تعترف بالنظام الجمهوري في اليمن الشمالي.
وكان طمع الاستئثار بالسلطة بعد الانسحاب البريطاني سبباً رئيساً في فشل كل الجهود التي بذلت لتوحيد الجبهتين. ومن هذا المنطلق بدأ بين جبهة التحرير، ومن قبل منظمة التحرير، والجبهة القومية التراشق والعداء، وتصعيد المهاترات التي أفضت إلى وصم بعضهم البعض بالعمالة والمغامرة واستخفاف كل قوة بالأخرى، والانغلاق في إطار التكتلات الحزبية وضروب الأنانية التي تفسح المجال لكثير من الدسائس والإشكالات وتعميق الحساسيات التي وصلت إلى مرحلة حدية في المواجهة ومن ثم إلى القطيعة النهائية.
تبنّت قيادة حزب البعث وحكومته في سورية مواقف منظمتي الحزب في اليمن، جنوبه وشماله، وحلفائهم، كما كانت إلى جانب منظمة تحرير الجنوب وفيما بعد جبهة التحرير، وقرارات مؤتمر القمة العربي بشأن تحرير جنوب اليمن.
ومع ارتفاع وتيرة النضال ضد الاحتلال البريطاني، عمدت الحكومة البريطانية في 25 أيلول 1965 إلى صرف حكومة عدن التي يرأسها عبد القوي المكاوي وحل المجلس التشريعي العدني وتعليق الدستور، وتسلم المندوب السامي البريطاني مسؤوليات الحكم. وعلى إثر هذه الإجراءات صرح المكاوي بأنه سيقف الآن مع الشعب في جبهة واحدة ضد السياسة الاستعمارية البريطانية.
ومع تصاعد النضال التحرري قصفت قوات الاحتلال يوم 29 أيلول قرى عدن بالطائرات بشكل وحشي.
أعلن المواطنون في عدن عن إرادتهم الحقيقية في الحرية والاستقلال، ونفذوا إضراباً عاماً بدءاً من 2 تشرين الأول 1965 تعطلت خلاله جميع أوجه النشاط، كما أعلن عمال البترول الإضراب الشامل لإشعار غير مسمى، وقامت قوات التحرير بتصعيد عملياتها ومهاجمة القوات البريطانية.
انتصر حزب البعث وسلطته في سورية لكفاح الشعب في الجنوب اليمني، ودعا إلى جعل جبهة عدن والجنوب جبهة قومية عربية واسعة، وأن تتحول معركة عدن والجنوب إلى معركة بين بريطانيا والشعب العربي بكامله، وتم تحديد يوم 15 تشرين الأول لافتتاح أسبوع نصرة عدن، و عممت وزارة الخارجية السورية على بعثاتها الدبلوماسية في الخارج تفاصيل الموقف تجاه قضية الجنوب اليمني، وطالبت بمناقشة قضية عدن في الجمعية العامة للأمم المتحدة لا في لجانها الفرعية، كما أن القيادة القومية للحزب، في بيان لها صدر بتاريخ 2 تشرين الأول، استنكرت ما قامت به سلطات الاستعمار من إجراءات تعسفية و انتقامية، و أن هذه الإجراءات دليلٌ على إصرار السياسة البريطانية إبقاء سيطرتها واستعمارها البغيض في الجنوب المحتل، كما حثّ البيان على ضرورة تقديم العون الحقيقي لشعب عدن، وأن توحد الحكومات والقوى الثورية والتقدمية والجماهير في الوطن العربي جهودها وتنسق خططها، لتصبح قادرة على دعم الحركات التحررية في الوقت المناسب، دعماً مادياً ومعنوياً يتمثل فيه الجد والصدق.
وحدد الاتحاد العام لنقابات العمال في القطر السوري وقوفه الحازم إلى جانب عمال وشعب عدن في صراعهم ضد الاستعمار البريطاني، وقرر توجيه إضراب إنذاري بتوقف عمال مرفأ اللاذقية عن شحن وتفريغ السفن البريطانية الراسية في المرفأ لمدة 24 ساعة تبدأ في الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الأحد 3/10/1965، كما طالب الاتحاد من جميع النقابات البحرية العربية نصرة عمال عدن والقيام بإضراب إنذاري ضد السفن البريطانية، وفتح الاتحاد لأعضائه باب التطوع لخوض المعركة مع الرفاق في الجنوب تأييداً للكفاح البطولي لشعب عدن والجنوب المحتل ضد الاستعمار البريطاني، الذي يحاول جاهداً توطيد ركائزه في ذلك الجزء من الوطن العربي واغتيال حريته ووقف مده الثوري القومي الجماهيري.
وفي 4 تشرين الأول من العام نفسه بدأ الحزب بتعبئة الشعور العام لنصرة شعب عدن والجنوب المحتل، وقرر إقامة أسبوع لنصرة الشعب العربي في الجنوب اليمني المحتل، فعقدت مهرجانات شعبية تم خلالها جمع التبرعات المالية.
واستمرت التعبئة أيضاً من خلال المسيرات الشعبية التي عمّت جميع محافظات القطر بدءاً من 15 تشرين الأول وتوجت بالمسيرة الكبرى في دمشق يوم 21 تشرين الأول.
واعتصم يوم 25 تشرين الأول، حوالى200 طالب يمني يدرسون في دمشق، في مبنى السفارة البريطانية لمدة ثماني ساعات، نددوا بالأعمال الوحشية لقوات الاستعمار وطالبوا بجلاء بريطانيا عن الجنوب اليمني.
كانت بعض القوى الوطنية قد دعت في شباط 1965 الشعب في عدن إلى القيام بالمظاهرات التي ترافقت مع قتال عنيف في بعض الأحياء، كان من نتائجها مطالبة الصحف البريطانية حكومة صاحبة الجلالة الطلب من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية مساعدتها على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن الجنوب اليمني المحتل والاعتراف بالجبهة القومية والتخلي عن القواعد العسكرية في هذه المنطقة.
وكانت الجبهة القومية تدرك أن القوى السياسية التي باشرت النضال السياسي ضد الوجود البريطاني في وقت مبكر، وقبل وجودها، أحيطت بالتفاف جماهيري واسع، وأن حزب الشعب الاشتراكي بادر منذ تأسيسه إلى ربط معاركه ضد الاستعمار والعملاء بالاحتجاجات، وإلى تبني قضايا الشعب برؤية وطنية شاملة، واكتسب تأييداً على الصعيدين العربي والمحلي.
وضع هذا النضال حزب الشعب الاشتراكي والمؤتمر العمالي في طليعة القوى السياسية التي يقوم على كاهلها نضال الشعب اليمني في الجنوب ضد الاستعمار والرجعية.
وعلى أثر إقدام المحتل البريطاني تشكيل حكومة في الجنوب برئاسة "بيومي"، أصدرت منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في قطر اليمن في أواخر شهر تموز 1967بياناً أدانت فيه هذه الحكومة ووصفتها بحكومة عميلة للمحتل البريطاني، وأعلنت عن برنامج للعمل الوطني في الجنوب، تضمن:
-إن تشكيل حكومة في ظل الوجود الاستعماري وتحت رعايته أمرٌ مرفوض.
-إن مجرد التفكير في إقامة كيان قائم بذاته للجنوب اليمني خيانة لقضايا الكادحين.
-إن على القوى الثورية في الجنوب اليمني أن تتطلع إلى اليمن الجمهوري باعتباره مفتاح القضية اليمنية.
-ضرورة إحداث تحولات عميقة وجذرية وإنهاء تبعية الاقتصاد الوطني للرأسمالية العالمية.
بعد أن تبنت الجبهة القومية الماركسية _ اللينينية أيديولوجية لها، وضعها هذا التبني في تناقض بيِّن مع القوى القومية الأخرى في الجنوب والشمال اليمني، و وفر، إلى جانب التسابق على استلام السلطة، كل عوامل الاقتتال والتصفيات بين قوى جبهة التحرير والجبهة القومية، وخشية من استفحال الأمر واستغلاله من المستعمر، وجه عبد القوي مكاوي الأمين العام لجبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل في العشر الأخير من شهر أيلول 1967 برقية إلى قائد الجيش العربي بجنوب اليمن المحتل أكد فيها بوجوب تحقيق الوحدة الوطنية بأسرع وقت ممكن لمصلحة الجنوب، حقناً للدماء ولضمان الاستقرار مع الاستقلال.
وطلب مكاوي من قائد الجيش العربي أن يبعث وفداً إلى القاهرة للتباحث وتبادل الرأي حول الحلول التي تكفل مصالح الشعب وأهدافه الوطنية التي ضحى من أجلها كثيراً.
وفي أعقاب تلك البرقية صدر بيان مشترك عن جبهة التحرير والجبهة القومية دعتا فيه الشعب إلى الحذر واليقظة والكف عن الاقتتال اعتباراً من صباح الثلاثاء 26/أيلول 1967، على أن تبدأ مباحثات تفصيلية بين الجبهتين في السادس من شهر تشرين الأول 1967، تتناول:
الوحدة الوطنية، تشكيل حكومة انتقالية، إعداد برنامج للعمل، ووضع دستور مؤقت. إضافة إلى تبني الجبهة القومية أيديولوجية الماركسية - اللينينية وما في هذا التبني من إعاقة لوحدة الشمال والجنوب اليمني، وبسبب الصراع الخفي الذي بدأ يسري تحت الرماد بينها وبين الجمهورية العربية المتحدة الذي سيؤدي بدوره إلى ابتعاد الجبهة عن نفوذ المتحدة، وبسبب تحول الجبهة إلى قوة ميدانية تستطيع السيطرة بمفردها على اليمن الجنوبي، ولأسباب أخرى، قررت بريطانيا، وهي على وشك الانسحاب، أن مصلحتها تكمن في التعاون مع الجبهة القومية وتسليم السلطة لها _ وهذا لا يعني نكران نضال تلك الجبهة _ ولكن هذا ما حصل فعلاً، إذْ استلمت الجبهة المذكورة من بريطانيا القواعد والمطارات والمنشآت العسكرية وكذلك الإدارات الحكومية المدنية، وأعلن عن استقلال اليمن الجنوبي في 30 تشرين الثاني من عام 1967.
بعد أن آلت السلطة للجبهة القومية، عادت إلى اضطهاد وملاحقة البعثيين وقادة المؤتمر العمالي وجبهة التحرير.
درست قيادة الحزب وسلطته في سورية ظروف وصول الجبهة القومية إلى السلطة والممارسات التي تقوم بها ضد القوى التي ناضلت لإجلاء المحتل، ونتيجة لذلك صدر بيان عن القيادة القومية لحزب البعث رصد الوقائع المذكورة واتهم الجبهة بتواطئها مع المحتل وتنفيذها لمخططاته وتصفية قيادات منظمة تحرير الجنوب والقوى الأخرى التي ناهضت وقاومت المستعمر.
بقيت العلاقات السورية مع نظام اليمن الجنوبي محكومة بالتقييم المذكور حتى يوم السبت 7/حزيران 1969، حيث أفصح الرئيس اليمني – الجنوبي وهو في طريق عودته من كوريا الشمالية مروراً بالقاهرة، عن رغبته، وبإصرار، زيارة سورية والاجتماع مع قيادة الحزب والحكم فيها، وأكد أن طائرته ستدخل الأجواء السورية وتهبط في مطار دمشق دون إذن مسبق إذا اضطرته الظروف لذلك.
بعد اتصالات مكثفة وعاجلة، رحبت قيادة الحزب بالزيارة، ودخلت الطائرة اليمنية- الجنوبية الأجواء السورية وعلى متنها الرئيس قحطان الشعبي و بعض الوزراء، و جرى للرئيس و مرافقيه استقبال رسمي تقدمه أمين عام الحزب رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي.
جرت في ذلك اليوم، في مبنى القصر الجمهوري، مباحثات رسمية اشترك فيها من الجانب العربي السوري الرئيس نور الدين الأتاسي ووزير الداخلية محمد رباح الطويل ورئيس اللجنة الاقتصادية وزير الصناعة مروان حبش و وزير الزراعة و الإصلاح الزراعي محمد سعيد طالب و وزير التعليم العالي الدكتور مصطفى حداد و وزير الخارجية الدكتور مصطفى السيد، و عن الجانب اليمني الجنوبي الرئيس قحطان الشعبي و وزير المال سيف أحمد الضالعي و وزير الزراعة و الإصلاح الزراعي أحمد صالح الشاعر و وزير الأشغال والمواصلات أبو بكر العطاس وسفير اليمن الجنوبي في القاهرة محمد هادي عوض، و لقد أوضح الرئيس الشعبي أنهم بدأوا الحوار مع البعثيين وبقية القوى والشخصيات الوطنية في اليمن الجنوبي، و عبّر عن رغبتهم الجادة بإشراكهم في السلطة، ثم بيَّن أن زيارته لسورية تهدف إلى إيجاد تلاحم قوي بين القطرين الشقيقين.
بعد تلك الزيارة، تحسنت العلاقات بين القطرين وتمتَّنت أواصرها. وبعد الانقلاب على الرئيس الشعبي، عام 1969، وفي 2/7/1970 زار سورية وفد يمني جنوبي برئاسة الرئيس "سالم ربيع علي" وعضوية محمود العبسي نائب رئيس الوزراء، وعلي سالم البيض وزير الخارجية، وعلي ناصر محمد وزير الدفاع، والسفير عبد القادر باقية، و خلال مباحثاته مع الوفد السوري برئاسة الرئيس نور الدين الأتاسي وعضوية الفريق حافظ الأسد وزير الدفاع، و مروان حبش وزير الصناعة، و مصطفى السيد وزير الخارجية، و السفير عز الدين نعيسة، و بعد استعراض الوضع العام في الوطن العربي وتصاعد المقاومة أكد الوفدان على ضرورة تمتين علاقات القطرين، كما قامت سورية بتزويد القطر الشقيق، وعلى نفقتها، بما كان يطلبه من الفنيين والمتخصصين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب (مروان ج حبش في قضايا وآراء)

