وزيرة العمل: "ستصدّر قوة العمل السورية"
"الدولة السورية... الى أي منزلق منقلبون"
كنت و مازلت، أضحك على نفسي و على الآخرين في محاولة التفريق بين مفهومي الدولة من جهة و الحكومة أو النظام من جهة ثانية، و ذلك لترك باب الأمل مفتوحاً أمام تغييرات أزعم أنها لا بدّ قادمة بفعل الضرورة، فالواقع السوري بات يفرض هذه الضرورة الى التغيير الذي يطمح له السوريون، و الذي لا يوجد عنه بديلاً إذا كنا جادين بالخروج من هذا الواقع المأساوي على الأقل في طبيعة التفكير و الأداء الحكومي كحد أدنى إذا اردنا الابتعاد عن المقاربة السياسية للموضوع و لو قسراً.
في الصورة الغلاف، و تحت عنوان المجلة "المال" صورة كبيرة لوزيرة العمل، و مانشيت صغير لأحد أهم المنجزات التي نذرت نفسها لتحقيقه (تصدير قوة العمل السورية).
أريد شخصاً واحداً ينتمي الى كوكب الدولة السورية "الحكومة" يمتلك الجرأة في الدفاع عن الصورة الكبيرة أو عن المانشيت الصغير. و بالمناسبة إن حجم الصورة مقارنة بالمانشيت يعكس مفاهيماً مهمة في العمل الصحفي، الثقل هنا للوزيرة، و المانشيت تحصيل حاصل رغم خطورته، و هو يعكس طبيعة العمل الحكومي عموماً، و يعكس مضمون المانشيت نفسه. و أنا هنا على قناعة و ثقة أن الوزيرة هي نفسها التي تريد تصدير قوة العمل السورية الى الخارج أنها لن تجد فرصة عمل (ضاربة آلة كاتبة) في أي شركة تحترم نفسها في الخارج، و لو ارفقت مع طلب توظيفها كل شهاداتها العالية و خبراتها و على رأس تلك الخبرات أنها شغلت وظيفة وزيرة، شريطة أن ترفق مع الطلب هذا التصريح و هذا الغلاف، هذا كفيل برفض طلبها للعمل على الآلة الكاتبة، و لن يقبل طلب توظيفها أحد في هذا الكوكب سوى كوكب واحد اسمه الدولة أو الحكومة السورية و بصفة وزيرة للعمل. و هذا يثبت مرة أخرى أننا نعيش في كوكب آخر اسمه الدولة السورية، كوكب حتى اللحظة لا يعلم الاحداثيات التي يقع فيها و ضمنها و لا يمتلك أية بوصلة لتشير له الى الإتجاه الذي يسير فيه هذا الكوكب خارج كل منطق أو مفهوم، حتى خارج المنطق الديني" إعقلها و توكل".
هذا الانفصال عن الواقع الذي تعيشه وزيرة العمل في الدولة السورية لا يمكن تفسيره خارج احداثيات ما وصل اليه التفكير في هذا البلد الذي يعاني من شتى أنواع الكوارث في بنيته و هويته و اقتصاده المنهار و مدنه المهدمة، تريد تصدير قوة العمل لديها، و كأنها تمتلك فائض من قوة العمل، أو كأنها مؤهلة لتصدير فائض هذه القوة، و كأنها لا تعلم أن معظم الكفاءات السورية أصبحت خارج حدود الدولة، و أن الدولة إذا ارادت البدء بعملية الإعمار تحتاج الى استيراد البديل عن الفائض الذي ستصدره بالعملة الصعبة. و أنها بالخلاص من جيش العاطلين عن العمل تتخلص من حمل ثقيل على الدولة، لأنها لا تعلم أساساً أن جيش العاطلين عن العمل ليس فائضاً بالقوة، بل هو نتاج سوء سياسات اقتصادية و تشغيلية مورست على سطح هذا الكوكب، و إذا كانت تجد أنه يوجد الكثير من الكفاءات في سوق العمل السوري و التي يمكن تصديرها للخارج، فذلك يعود الى عدم استخدام هذه الكفاءات و اقصائها وصولاً الى فتح المجال لتوزير من هم بسوية و كفاءة السيدة الوزيرة و غيرها من الوزراء و المسؤولين.
و بالتأكيد ان الدول التي سوف تستورد قوة العمل السورية تعيش على كوكب الأرض و لن تستورد إلا الكفاءات الحقيقية لو كان على مستوى العمّال العاديين، و بهذا يتم الخلاص من الكفاءات الباقية في البلد ليكون الطريق معبداً أمام كفاءات تتوافق مع معايير كوكب وزيرة قوة العمل.

