"كيف تصبح المعارضة عائقاً في وجه التغيير"
قبل أن يتهمني أحد بالوقوع بمطب التعميم، و هذا ما لا أريده، و لإزالة اشكالية العنوان أقول أن النهيق صفة ليست ملازمة للمعارض، بل هي صفة لمن يمارس النهيق معارضاً كان او موالياً أو من أي طرف أو موقع آخر.
هناك حقيقة تغيب عن أذهان البعض و هي: إذا كان للسوريين في الداخل (على أقل تقدير) مشكلة مع النظام، فلديهم مع المعارضة في الخارج عشرات المشكلات. و لديهم مع معارضة الداخل (إن وجدت) مئات المشاكل (بأحزابها الخلبية).
الناس هنا تفضل ان تجوع و تعرى في كنف النظام و لا تقبل بالنعيم في كنف المعارضة، و هذا ليس لأن النظام خالٍ من العيوب و المساوئ، بل لأنهم الأكثر سوءاً و عيوباً. هذه الحقيقة يجب أن يفهمها من بقي لديه ذرة عقل من المعارضة، و هي التي تفسر صمت الناس عن كل ما يجري من فساد و ظلم و عقوبات و حصار و غير ذلك، و هي أسباب كفيلة للقيام بألف ثورة مقارنة مع الاسباب التي أقاموا على اساسها الثورة المزعومة، لأن مجرد التفكير بأن هذه المعارضة هي البديل عن النظام يرعب الناس أكثر من الجوع و الظلم. لذلك يصبح رهان المعارضة على سوء الواقع الاقتصادي و حتى مستوى الحريات و العقوبات رهان خاسر، "سيبقى السوريون مع النظام طالما أنكم الأسوأ".
و مع ذلك يخرج من صفوف هذه المعارضة أحد "الناهقين" الذين لم يسمع احد باسمهم إلا على لسان احد الاعلاميين الاسرائيلين الذي زفّ البشرى للسوريين منذ ايام بأن المذكور سيكون رئيس سورية القادم، يخرج هذا المتصهين ليقول انه سيتوجه بكلمة متلفزة للشعب السوري. و ليبشر بضم الجيش الحر لصفوف الجيش السوري، و طبعاً لن أعطي لهذا الناهق شرف أن أذكر اسمه (نسيت اسمه أصلاً).
بالمقابل لا بد من الحديث عن وجود معارضين حقيقيين و أقصد بهم حصراً اولئك الذين أدانوا و يدينون كل المظاهر و الفصائل المسلحة و على رأسهم ما يدعى الجيش الحر، أولئك المعارضون فقط هم من يمكن التعويل عليهم كمعارضة وطنية شريفة لم تلهث وراء دولارات الثورة المزعومة، فقط تلك الفئة من المعارضين يمكن التعويل عليها في لعب دور لمستقبل سورية رغم تشتتهم و عدم قدرتهم على التنظيم و التنسيق.
كيف يمكن التعويل على معارضة اتهمت انصار النظام بأنهم شبيحة، و انتجت كائناتٍ أكثر تشبيحاً و تطرفاً من شبيحة النظام، كيف يمكن الإطمئنان الى التغيير مع معارضة برنامجها و خطابها الفكري و السياسي يعتمد الشتم و السباب على النظام، و تحولت شتيمة النظام متبوعة بكلمة "تكبير" رسم الدخول الى هذه المعارضة.
,(ياعمي اشتموا النظام ١٢ ساعة باليوم، لكن اتركوا ١٢ ساعة للتفكير بالسوريين و مستقبلهم)
يقول المثل لدينا "الما بيجي معك تعال معه" سوف نأتي معكم، و نسأل كيف يمكن لمعارضة تغيير النظام و برنامج عملها قاموس من الشتائم و بعض العصابات الارهابية التي لم و لن تتمكن من شرعنة وجودها تحت أي مسمى كان؟.
و رح إجي معكم مرة ثانية، الجيش الحر الذي غيرت تركيا اسمه ليصبح "الجيش الوطني" في محاولة شرعنته و فصله عن النصرة و غيرها من الفصائل المتأسلمة، هل فكرتم ماذا يمثل و من يمثل من السوريين؟
اتحدى كل فصائل المعارضة أن يقدموا اسماء عشرة مسيحيين ماتوا او استشهدوا (على قولكم) مع الجيش الحر في ادلب او الغوطة، و اسماء عشرة علويين، و اسماء عشرة دروز، و اسماء عشرة اكراد و اسماء عشرة اسماعيليين و عشرة سريان و آشوريين، و اسم ارمني سوري واحد. فقط عشرة من كل شريحة او طائفة أصغرها تعدّ أكثر من نصف مليون سوري، أكرر، فقط عشرة لا أكثر، عندما تقدمون هذه الاسماء للشعب السوري سوف يؤمن بكم و بثورتكم انها ثورة كل السوريين و ليست لفئة أو طائفة منهم.
عن اية ثورة تتحدثون؟ و عن أي جيش وطني أو حر تدافعون؟
لا بد من التذكير بالثورة السورية الوحيدة؟ كان على رأسها درزي من جبل العرب، و في صفوفها كل طوائف و شرائح الشعب السوري من سنة و علويين و اسماعيليين و مسيحيين و اكراد و غيرهم و من كل المناطق السورية من درعا الى دير الزور.
كيف سيسلّم السوريون ذقونهم الى هكذا معارضة؟ و على رأسهم السنة الوطنيين الذين تحاربون بسيفهم، و هم الذين حموا النظام و ليس الأقليات كما تحبون أن ترونهم، و هذه الحقيقة معروفة للجميع؟ كيف سيسلّم السوريون مستقبلهم الى الجيش الوطني (الطائفي) طالما انه لا يعبر عن كل السوريين و لا يضم مختلف شرائحهم.
من يريد تغيير النظام في سورية عليه أن يتخلص من طائفيته أولاً، و عن كل أشكال التأييد لما يسمى فصائل اسلامية و جيش وطني مزعوم، لأن ذلك لا يخرج عن كونه تعبير طائفي مستتر.
السوريين في أي تغيير يعوّلون على معارضة اخلاقية اولاً و وطنية ثانياً و ليس على معارضة لا تعرف الاخلاق و لا الوطنية.
انطلاقاً من ايماني بضرورة وجود معارضة حقيقية تمثل كل السوريين و ترى اوجاعهم جميعاً بلا تفريق او تمييز. نعول على معارضة تقرأ الواقع السوري جيداً. نعول على معارضة ينضوي تحت جناحها معظم السوريين عن وعي و قناعة و ايمان بمشروعها الوطني و بالتغيير السلمي الذي لا يدمر البلد أكثر مما هو مدمّر.
و أختم: لا يمكن أن يتغير شيء في بلد لديه هكذا معارضة إن كانت في الداخل أو في الخارج، عندما تخرجون من جلدكم الحالي يمكن لنا التفكير بأمل لمستقبل اسمه "التغيير" في هذا البلد.

