كان خارجا بكل تجهمه غير المألوف بالنسبة لي، مقطب الحاجبين بقبضتين متشنجتين جاهزتين للعراك تماما، كأني أراه للمرة الأولى رغم معرفتي به منذ سنوات لم تفارق فيها خفة دمه ودماثة أخلاقه, لقاءاتنا البسيطة كجيران في نفس الحارة، ممسكا بأوراق نقدية تعذر علي معرفة فئتها، سائرا في العتمة يتلفت يمينا ويسارا بشكل هستيري في ساعات الحظر الأولى.
راقبته من على شرفتي محاولا معرفة قصده دون جدوى، حين عاد بعد دقائق كلمته مستفسرا عن مقصده، هو لم يجبني ردا على سؤالي بل أعطى الإجابة التي استغربت من رجل أمي أن ينطقها بهذه الطلاقة الفكرية التي يعجز عنها عقل أعتى المفكرين.
رده كان بمثابة ناقوس دق في تلافيف دماغي وفتح آفاق التفكير في عقلي عن (هرائية) تلك القرارات المتخذة بشكل اعتباطي بحت، جعلني أدرك خطورة ما تفعله من فقدان الإيمان عند الناس بمصيرها القادم وسوقها نحو التصرف الفردي المدمر كغريزة باتجاه البقاء، في الوقت نفسه أيضا فكرت بتراتب الأوليات ضحل الأفق لدى متخذي القرار وهو ما يشرح تماما كارثية رفع الأسعار الخاطئ بطبيعة الحال فكيف بها في الوقت الأشد قساوة، وقت يناضل فيه الناس للحصول على لقمة العيش في ظل البطالة المفروضة لعمال "اليومية" والرواتب التي لا تكفي ليومين بعد التضخم الأسطوري, هذا إن تمكن الموظفون من استلامها بعد الأعطال المتكررة في أجهزة الصرافة، ثم يطلب من هؤلاء الناس الوعي والتزام البيوت و أن يكونوا على قدر المسؤولية.. المسؤولية التي لا يستغني عن امتيازاتها ولا يفرط بعطاياها (سيادتهم) إلا حين تكون جوعا قسريا لا تعرفه كروشهم.
وكي لا أطيل مقالي بما لا يستهوى أصحاب المعالي, سأختم بجملة جاري الأمي الذي أثبت أنه أشد إدراكا للواقع من سيادتهم مجتمعين حين قال: من يطلب الوعي من جائع كمن يطلب من أعمى الخروج من المتاهة.

