بقلم الدكتور بهجت سليمان
أولئك الذين تحرّكهم العصبيات الجاهلية، والغرائز البدائية، عاجزون عن مقاربة أيّ موضوع أو مسألة، إلّا من منظور طائفي أو مذهبي.. وهؤلاء لا يتقاطعون أو يتناغمون أو يلتقون، فقط، مع السياسة الاستعمارية التقليدية، المبنية على مبدأ (فرّق.. تسد) بل يتماهون معهم.. أي أنّ دول الاستعمار الجديد، التي تعتمد مبدأ (المواطنة) في بلدانها، وترفض المنطق الطائفي والمذهبي، في مجتمعاتها، تقوم بالوقت نفسه، وبإصرار عجيب، على مقاربة الأمور، في بلدان العالم الثالث، من منطلق طائفي ومذهبي وعرقي، فقط!!
وهنا يتطابقون، مع أصحاب العصبيات الجاهلية والغرائز البدائية، في بلدان العالم الثالث، بحيث يتحوّل أصحاب العصبيات هؤلاء، إلى أحصنة "والأدق: بِغال" طروادة، لصالح المستعمرين الجدد، ضد مجتمعاتهم ودولهم..
وعندما يكون أصحاب هذا المنطق الجاهلي والبدائي، في سدّة الحكم، في بلدانهم.. فمن الطبيعي، بل والحتمي، أن يكونوا على علاقة (تبعية) متينة، مع دول الاستعمار الجديد.. لأنّهم يستمدّون شرعيتهم من الخارج، ولا يستمدّونها من داخل مجتمعاتهم التي لا يمثّلونها، بل يمثّلون، ليس (أقلية) فقط، في بلدانهم، بل (أقلية الأقلية) بالمفهوم الحقوقي والسياسي المتعارف عليه في العالَم المتطور، وليس بالمفهوم الطائفي والمذهبي، المراد تعميمه وترسيخه وتكريسه، في بلدان العالم الثالث، عبر أدوات محلية، تعتمد مفهوم (الأكثرية الطائفية) بدلاً من اعتماد مفهوم (الأكثرية السياسية) المعتمد في دول ومجتمعات العالم الحديث والمعاصر.
ومَن يتحدّثون بمنطق (الأكثرية والأقليات) الجاهلي والبدائي في سورية، من الضروري، أن يدركوا، أنّ هذا المنطق وهذا المفهوم، لا وجود حقيقي له، في سورية، إلّا في ذهن أصحاب تلك العصبيات والغرائز.. ولا وجود فيها، لأكثريات وأقليات، بل يشكّل معظم السوريين (أكثرية) سياسية واجتماعية في سورية.. ووحدهم (المتأسلمون): من (إخونجية) و(وهّابية) يشكّلون (الأقلية) الحقيقية في سورية، وهم الذين حاولوا، بكل ما لديهم، اغتصاب سورية، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي..
والآن، يكرّرون المحاولة ذاتها، بالتعاون الكامل مع محور الاستعمار الجديد، ومع أذناب هذا المحور وأتباعه، ولكن بشكل أعنف وأشرس وأكثر إجراماً ودمويةً وعناداً ووحشيةً - بمئات المرات - ممّا كان عليه، في الماضي القريب.. وسيفشلون فشلاً ذريعاً، هذه المرة أيضاً، رغم أنّهم كبّدوا سورية، خسائر باهظة جداً، في الأرواح والممتلكات.
ولأنّ حكم (الأقلية) أو (أقلية الأقلية) قائم وراسخ ومديد وموجود بشكل أساسي ورئيسي وعضوي وبنيوي، في جميع المشيخات والمحميات النفطية والغازية وغيرها من الكيانات الوظيفية، التابعة والملحقة بالمحور الاستعماري الجديد.. حيث توجد في كل منها، عائلة واحدة، أو متعاونة مع بضع عائلات محدودة، تمتلك البلاد والعباد والأرض وما فوقها وما تحتها، وهذه العائلة، أو البضع عائلات، لا تشكّل في أحسن الأحوال، أكثر من (واحد: بالألف "1" بالألف) من تعداد سكان تلك المشيخات والمحميات والكيانات..
ولأنّ وضع هذه الأنظمة التقليدية التابعة، هو (أقلّوي) بشكل واضح وفاضح، فإنّها تبذل جهوداً خارقة متواصلة، لتزوير حقيقة التركيبة الاجتماعية والسياسية والثقافية، ليس في مجتمعاتها، فقط، بل في مختلف المجتمعات القريبة منها، وتقوم بعمليات تضليل مدروسة - بالتعاون الكامل مع محور الاستعمار الجديد - من أجل تعميم وترسيخ وتكريس منطق ومفهوم، الأكثرية والأقليات الدينية والمذهبية.. وتترافق هذه الجهود المحمومة والمسمومة، بالعمل على التنصّل من مسؤوليتهم الجذرية عن الغرق في هذا المستنقع الطائفي والمذهبي، عبر ترحيلها عن أكتافهم، ومحاولة تحميلها، لخصومهم في الدول الوطنية التي تعتمد مبدأ الأكثرية والأقلية السياسية..
وهذا ما تكاتفوا وتكتّلوا، من أجله، في مختلف الكيانات الملحقة بالمركز الاستعماري الجديد، لإتّهام سورية، بما هم غارقون فيه، من أخمص أقدامهم، حتى قمّة رؤوسهم، ليس فقط، من أجل إبعاد الأنظار، عن واقعهم السياسي والاجتماعي والثقافي المزري والمسموم، بل من أجل نقل هذا الواقع التعيس، إلى سورية، أملاً منهم بإغراقها في هذا المستنقع المطلوب إغراقها فيه، من أجل إلغاء سورية، وإخراجها من التاريخ، إلى الأبد.
ولكنهم بعد مرور السنوات الماضية، أدركوا أنّ القلعة السورية، حصينة أكثر بكثير مما كانوا يتوهمون، وأنّ الدولة الوطنية السورية، أكثر مناعة من معظم دول هذا العالَم.. لأنّ سورية الأكثر عراقة في هذا العالم، سوف تكون، في وقت ليس ببعيد، الأكثر حداثة في هذا العالم، رغماً عنهم وعن أسيادهم وأسياد أسيادهم.

