كتب معن صالح:
من يقرأ و يتابع أحوال السوريين في الداخل و الخارج يعرف مدى الخذلان الذي وصل اليه السوريون في معظم المفارق و المحطات على مدى عشر سنين من حربهم العبثية.
الخسارات بالجملة لجميع الأفرقاء رغم الانتصارات الميدانية أو السياسية هنا و هناك لهذا الفريق أو لذاك الفريق.
معارضة الخارج اليوم منقسمة في حرب الأجنحة و المنصات بين جناح "أخواني تركي قطري" و بين جناح "متعلمن ظاهرياً سعودي اماراتي" و بين جناح "علماني روسي و مصري الى حد ما".
و معارضة الداخل و احزابها الخلبية "المخصصة للمؤتمرات و اللجان الدستورية" متماهية مع السلطة أكثر من الموالين للسلطة أنفسهم. إضافة الى فريق من الأكراد الذين وضعوا البندقية الأمريكية على أكتافهم، و بعض العشائر التي تتناهبها مزادات الدولار للاصطفاف هنا و هناك, و مجموعات الارهابيين الذين أصبحوا شماعة الجميع.
أمام هذا المشهد الهائج و المتصارع تبقى هناك شريحة واسعة من السوريين إن كان في الداخل أو في الخارج، تنظر الى سورية كدولة و ليس كنظام سياسي للسلطة او المعارضة. و مع ذلك فإن هذه الشريحة هي الأضعف،
بعد أن كانت كل الدنيا تطالب برحيل الأسد عن السلطة منذ العام ٢٠١١ و على رأسهم باراك اوباما في ذلك الحين، تحولت تلك المطالبات الى صمت، ثم انقلبت الى القبول ببقاء الأسد، و هذا ما أبلغه الجبير للمعارضة الخارجية ٢٠١٧ قبيل انعقاد مؤتمر الرياض ٢. هكذا صدر الأمر حينها "عليكم القبول بوجود الأسد حالياً" و هذا ما حدث. نتيجة تغيير استراتيجية اسقاط الأسد من عسكرية الى سياسية.
رغم انخراط معارضة الخارج في جنيف و استانا و سوتشي و اللجنة الدستورية و غيرها، إلّا أنها في حقيقة الأمر تراهن على أحد أمرين، الأول على اسقاط النظام سياسياً، و الثاني هو المحاصصة مع النظام، و هذا الثاني لم تستطع المعارضة توفير الأرضية المناسبة له ضمن جمهورها الخاص و العام أولاً، و حتى من الدول الحاضنة لها و التي تريد استثمار الملف السوري إلى آخر ما يمكن تحصيله من مكاسب. حتى جمهور المعارضة الخارجية بمعظمه كشف اوراق تلك القيادات منذ زمن طويل و أصبحت تمثلهم رغماً عنهم، فهي مفروضة من قبل الدول الفاعلة في الملف السوري، و مع ذلك هذا الجمهور يميل الى فكرة تغيير النظام.
على الجميع أن يفكر ماذا يعني رحيل الأسد، و ماذا يمكن أن تكون الاحتمالات بعد رحيله إن تحقق ذلك، هل لمصلحة السوريين أم ضد مصالحهم، و لدينا عدة نماذج للرحيل في تاريخنا العربي المعاصر قد تساعدنا في عملية التفكير، رحيل صدام و ماذا حلّ بالعراق بعده، و رحيل القذافي، و رحيل حسني مبارك,
أنا هنا لا أتخذ موقفاً من البقاء أو الرحيل، لكنها المعركة التي يريدوننا كسوريين خوضها بمختلف الطرق و الأشكال ليضعوننا أمام أمر واقع و مواقف تشلّ حريتنا بالتفكير و أمام خيارات ضيقة لنعود الى حرب الإقصاء من جديد، و نكون إما مع أو ضد، دون فتح المجال للتفكير بخيارات أخرى أو حتى التفكير بالخيارات المطروحة نفسها، لذلك أنا أفتح ابواب الأسئلة على مصراعيها فقط، هذا السؤال موجه للجميع، على كل سوري عاقل يجيد استخدام عقله بعيداً عن الحقد الأعمى من المعارضة و بعيداً عن الانحياز الأعمى من الموالين، في لحظة صفاء حقيقية تجاه مستقبل سورية و السوريين علينا الإجابة عن هذا السؤال: هل رحيل النظام يمثل مصلحة لمعظم السوريين، و لنفترض جدلاً أن الاجابة نعم، هل سألنا أنفسنا عن البديل، و هل هذا البديل موجود و قابل للتحقيق، و ما هي فاتورته التي سيدفعها السوريون،
و السؤال الأهم كيف سنمنع الانزلاق الى الفوضى و المحاصصة الطائفية في المستقبل كما في لبنان و العراق؟

