2020.12.10
سعاد سليمان - فينكس- خاص:
مشكلة مدينة طرطوس أنها بحرية!
لا تستغربوا.. فقد جعل البحر المسؤولين عنها لا يرون إلا بحرها, والسياحة!
كل الشوارع بلا أرصفة لائقة, أو مناسبة.. لا أرصفة تحترم المارة إلا الرصيف المحاذي للشاطئ البحري! كل الشوارع بحاجة لأسفلت جديد حتى الشوارع الرئيسية فيها.. وحده.. الرصيف البحري - كما سمعنا - أن أموالا طائلة تم انفاقها ليتم نسخه عن رصيف لشاطئ آخر مشابه في تركيا, ليرقى إلى مستوى زواره من المسؤولين, وأصحاب الأموال يأتون لأيام معدودات في صيف حارق, أو شتاء.. لا يهم .. يأتون للاستمتاع بالبحر الأزرق, وتناول سمكه .ويمضون.
في طرطوس.. كل الأحياء, والحدائق مليئة بالأوساخ.. كل الشوارع تئن من قذارات, وإهمال ..وأما الكورنيش البحري فيئن من خراب أيضاً!
كيف؟
ممنوع على سكان الشارع السياحي من جهة الغرب, الهمجي من الشرق تحسين بيوتهم, أو هدمها, وإعادة البناء إلا وفق شروط محددة.. فالجهة الشرقية منه يريدونها سياحية بامتياز.. القصة قديمة وهي ليست حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة..
هي حكاية ألف عمر, وأعمار..
في البداية: تم وضع تنظيم للواجهة الشرقية للكورنيش البحري الممتد من حدود نهر الغمقة جنوباً وحتى المدينة القديمة شمالاً عام 1946 بجزء منها, وعام 1964 بجزء آخر, وعام 1975 بالجزء المتبقي منها بمساحات صغيرة, وعامل استثمار صغير..
في عام 1976 صدر قرار وزاري بتجميد البناء فيها, والعمل على إعداد تنظيم آخر لتكون واجهة سياحية مميزة. 
ماذا تعني واجهة سياحية مميزة؟
فنادق, ومطاعم, وأبراج, وحدائق.. يعني: صناعة العجائب.. ولأن الآراء متباينة, متناقضة, ومتعددة, والامكانيات محدودة, والطموح كبير, والطمع أكبر.. من هنا بدأت المشاكل!
ففي عام 1988 تم إعداد تنظيم جديد للواجهة الشرقية, تعذر تنفيذه لأسباب عديدة أهمها:
عدم اتفاق المالكين, واعتراضهم على التنظيم.
في عام 2006 تم إعداد تنظيم جديد آخر يراعي تقليل المساحات للكتل التنظيمية لتصبح بمعظمها بين 900 و2500 مترا مربعاً..
وتضمن التنظيم إيجاد شارع ملاصق للكتل من الجهة الشرقية بعرض 12 م, وغير منفذ على الواقع – شارع يكتسح العقارات, وأجزاء من عقارات عددها 33 عقاراً تعود ملكيتها لأفراد يعيشون في هذه العقارات منذ سنين طوال.
طبعا.. قامت المدينة بإعداد إضبارة استملاك للعقارات, ولأجزاء من عقارات الشارع المذكور عام 1983.
في العام 2009 صدر قرار من مجلس المدينة بالاستملاك, وأحيل للموافقة عليه.. وبسبب اعتراض الأهالي أوقف العمل, ولم يتخذ أي إجراء.. تجميد العقارات أضر بأصحابها, تجميد امتد لأربعين سنة, وأكثر جعل من البيوت المستهلكة المهترئة تتساقط فوق رؤوس ساكنيها الفقراء.
أربعون عاما أو خمسون لا يهم... واجتماعات, ومشاورات, وقرارات للوصول إلى حل عادل يرضي الأطراف... والعدل مات بين أخذ ورد.. أو رحل, وربما هرب.. العدالة مفقودة هنا.. حين تجبر صاحب بيت ورثه عن أبويه أن يخلي بيته.. وحين تشترط عليه شروطاً تعجيزية بالنسبة له.. مجحفة بحقه, والسبب أن بيته يقابل البحر!
لكن.. وبعد أربعين سنة توصلت اللجان, وبعد الاجتماعات المتتالية إلى السماح بالاستخدام السكني للكتل التنظيمية الواقعة على الواجهة الشرقية للكورنيش البحري, وبشروط!
أما شارع "التقاص" كما يسمونه.. الذي يمتد من الفندق الكبير شمالا وحتى حديقة الطلائع جنوبا بطول 600 م.. شارع يقص البيوت ويسحقها وكأنها غير موجودة.. لو تم تنفيذه... يلزم تنازل المالكين لعقاراتهم, أو لأجزاء منها.. فكان التخمين..
التخمين, والمسح العقاري, ووضع جداول لقيمة العقارات لإجراء شارع التقاص.. هذا كان عام 2015 ثم تم تعديله.. وعبر تشكيل لجان, ووضع دراسات, وإصدار قرارات بأرقام, وأرقام, وعبر جلسات, واجتماعات لسنوات..
تم الوصول إلى السرد التاريخي للموضوع, واجتراح الحل, والاقرار أن المنطقة المراد تخضيعها للقانون 23 هي منطقة منظمة سابقا وفق القوانين النافذة في حينها!
وبما أن الاعتراف سيد الأدلة.. كان الاعتراف بتجميد وضع المنازل منذ ما يزيد عن خمسين عاماً, والعمل على إسكات أصحاب المنازل بإعادة التخمين وفق أسس عادلة تحقق المصلحة العامة من حيث سعر المتر المربع!
يقول صاحب عقار في الشارع الحلم المنحوس هذا: أن مساحة عقاره 200 متر مربع, وحسب "التقاص" صار عشرة أمتار مربعة فقط..
ويسأل: ماذا يفعل بال10 الباقية؟ هل تسكت إذا كنت مكانه؟ سؤال يوجهه لأصغر موظف في بلدية طرطوس..
رجل خمسيني قال بألم, وهو يشير بيديه إلى البناء الذي بناه والده بعد أن تهدم البيت القديم فوق رؤوس ساكنيه, ما اضطره لتقديم التنازلات.. حيث تم قص جزء كبير من مساحة البيت القديم ليذهب هذا الجزء في شارع "التقاص" كما يسمونه, وعلى الأمل في التعويض لأصحاب البيت دون فائدة.. إذ كان الشرط لإعادة البناء المستهلك, وشبه المنهار, ولإعطاء الموافقة بالبناء..
ترك مساحة لا تزال شاغرة حتى اليوم.. وقد تحولت إلى مكب للقمامة, ومرتع للجرذان حسب قول الطفل الذي أصبح بالخمسين, وما يزال يأمل في شارع نظيف, واسفلت لامع بعد أن دفع والده الجزء الأهم من بيته وروحه حسبما قال... وأنه ما يزال ينتظر التعويض المادي...
يتحدث سكان الشارع عن عشرين مقسما يملكها رجل, وعن عشرة منها مبنية وفق التنظيم المصدق عام 2006.. أما المقترح لبقية المقاسم غير المبنية ففي تطبيق قانون إعمار العرصات الصادر بالمرسوم 82 لعام 2010.. و عن مجموعة ثانية وعددها عشرة مقاسم في كل مقسم منها عدة عقارات.. كل عقار يملكه مجموعة من الناس..
من يمر هناك ويبحث عن سكان الحي.. لا يرى إلا الأشباح.. لا أحد يريد أن يتكلم.. الألم يعصر القلوب من بيوت تئن من وجع القدم, والتلف, والاهتراء, ومن الفقر, والبرد, والمطر الذي يدخل البيوت دون استئذان. 
ويتحدثون عن مقترح للجهة الشرقية من الشاطئ البحري وذلك بإعطاء مهلة ستة أشهر للمالكين لدمج, وتوحيد جميع العقارات, واستكمال الوثائق, والاجراءات للحصول على رخص بناء.. وفي حال عدم القيام بذلك يتم تطبيق قانون إعمار العرصات 82.... وتعليماته التنفيذية.
وعن تعليمات وزارة الادارة المحلية, والبيئة التي سيتم تطبيقها تحت الرقم 62 / د بتاريخ 25 / 6 / 2008 ومما جاء فيها, وأهمها:
في حال وجود عقارات, أو أجزاء منها غير صالحة للبناء بمفردها, ولا يمكن منح كل منها رخصة بناء وفقا لنظام ضابطة البناء النافذ, أو لاعتبارات فنية, وتعذر الاتفاق بين المالكين على توحيد, أو دمج, أو إفراز هذه العقارات أو أجزاء منها بشكل تكون قابلة للبناء فإنه يمكن للجهة الادارية استملاكها بقصد دمجها, وتوحيدها, ومن ثم بيعها بين مالكيها بطريقة المزايدة العلنية على أن تضاف إلى القيمة التي ترسو عليها المزايدة نسبة 15 بالمئة لصالح الجهة الادارية لقاء النفقات... 
وأما المجموعة الثالثة.. حيث المقاسم تنظيمية فيتم الموافقة بالأكثرية على المضي في اجراءات التقاص بعد اكتسابه الصفة القانونية من رئاسة مجلس الوزراء بموافقة واضحة, وصريحة عن طريق مذكرة تعد من قبل لجنة الانشاء والتعمير, وترفع من قبل الادارة, وإعادة التخمين..
طبعا.. لم ينس القرار الطلب بالإسراع بالإجراءات حرصا على مصلحة أصحاب العقارات – الأهالي –!
كان هذا القرار رقم 10 - بتاريخ 11 / 12 / 2018 .. الموقع من قبل رئيس مجلس المدينة, وأمين سرها, ومن دائرة التخطيط العمراني, والشؤون الفنية.
قرارات نظامية.. ودراسات أكاديمية.. والناس, والبيوت على الجانب الشرقي لكورنيش البحري السياحي وسكان شارع "التقاص" مكانك راوح.
في لقاء جمع الصحفيين بطرطوس مع مجلس المدينة ورئيسها نهاية عام 2018.. شرح خلاله السيد رئيس المجلس مجمل القضايا العالقة التي تخص مدينة طرطوس, وأطلق البشائر بالحلول بدءا من الواجهة الشرقية للكورنيش البحري, وتنظيمها مؤكدا مشكلة عدم اتفاق المالكين على دمج العقارات, وتحدث يومها عن الدراسة التي قدمتها جامعة تشرين فيما بعد لتعيد تنظيم الواقع بكلفة عشرة ملايين ل. س.. مطالبا بتفعيل دور الادارة المحلية, وعدم ترحيل مشاكل طرطوس إلى المركز..
وحتى اليوم.. كل المشاكل ما تزال عالقة, وبانتظار الحلول المرضية لكل الأطراف, وأولهم سكان هذه البيوت.
والاسراع.. خطوات امتدت على طول خمسين سنة.. لا يشعر بألمها إلا من يسكن هذه البيوت المهترئة, ومن يمر بها يرى بعينيه إذ لا ضرورة للإيضاح.. كل شيء واضح.. وضوح شمس الغروب فوق بحر ينام غير مكترث بمن يراه, فيفرح, أو يراه, فيحزن.