2021.03.08
وزارة الصحة: تقديم خدمات الصحة النفسية للنازحين في مركز الايواء والمناطق المحررة
أخصائية اجتماعية: تدهور العلاقات الاجتماعية في المجتمع السوري نتيجة أزماته النفسية
دمشق– ميليا اسبر- فينكس:
أثرت الحرب على السوريين من مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكان للجانب النفسي حصة كبيرة أيضاً، فالمرض النفسي لا يقل أهمية عن المرض العضوي بل ربما يتعداه في أحيان كثيرة، مصادر خاصة قالت لـ"فينكس" أن 25% من السوريين لديهم اضطرابات نفسية مختلفة الشدة، والتقديرات تشير إلى أنّ ثلث اللاجئين والنازحين والمهجرين لديهم اضطرابات نفسية.
هذه الأرقام تدل على حجم الكارثة النفسية التي أصابت الكثيرين، وأثرت على طريقة ونمط حياتهم، لكن المستغرب أنه في ظل الحجم الكبير للأذية النفسية للسوريين لا يزال عدد الأطباء النفسيين خجولا جداً حيث لا يتجاوز العدد90طبيب!
ويبقى السؤال الأهم كيف تتم متابعة هؤلاء المرضى، وماهي نسبة شفائهم، وما دور الخدمات التي تقدمها وزارة الصحة لهم.
حالات مختلفة
"فينكس" رصد بعض الحالات لشرائح مختلفة ممن أصيبوا بأزمات نفسية نتيجة حدث معين تعرضوا له.
/ عليا/ 36 سنة تقول أنها أصيبت بحزن شديد بعد اختطاف زوجها، لتظهر عليها بعد فترة أعراض (التوتر – العصبية – آلام في المعدة والرأس – النسيان وعدم التركيز والشرود) بعد مرور ثلاثة أشهر على حادثة الاختطاف حدثت الفاجعة الكبرى فقد وجد زوجها مقتولا لعدم تلبية دفع الفدية، مضيفة أنه نتيجة ما حصل لم تعد تذهب إلى العمل وأهملت أمور منزلها، إضافة إلى ممارسة القسوة والعنف على أطفالها مما سبب بعض المشاكل السلوكية للأطفال كالعناد والسلس البولي.
بينما هالة التي راجعت طبيبة العيون في أحد المركز الصحية في دمشق مرات كثيرة، خلال المتابعة من قبل الطبيبة تبين أن سبب الآلام أن هالة تبكي يوميا بكثرة بسبب فقدان ابنها، ليتم تحويلها الى الطبيب النفسي ليكتشف أنها تعاني من اكتئاب حاد وتحتاج إلى علاج نفسي.
أما الشاب /هادي/ الذي أصيب باضطرابات نفسية عندما رأى بأم العين كيف ذبح أبوه وأخوه على يد الدواعش في إحدى المناطق الساخنة التي كانت تحت سيطرتهم، وبعد فترة بدأ الكوابيس تطارده إضافة إلى قلق وأرق شديدين، لتتحول حياته إلى كآبة وانعزال عن المجتمع وهذا ما يسمى بعلم الطب النفسي /الصدمة ما بعد الرض/ حسب ما قاله الاختصاصيين النفسيين.
تشكيل فرق صحية نفسية
مديرة الصحة النفسية في وزارة الصحة الدكتورة أمل شكو أوضحت لـ"فينكس" أنّ المديرية اتخذت العديد من الاجراءات خلال الحرب أهمها تشكيل فرق صحية نفسية لتقديم خدمات الصحة النفسية للنازحين في مراكز الإيواء والمناطق المحررة، كذلك تم إعداد وتنفيذ برامج تدريب العناصر العاملة بخدمات الصحة النفسية والعقلية، منوهة أنه منذ بداية تشكيل هذا البرنامج عام 2013 تم بناء قدرات ما يقارب 1400 طبيبا غير مختص بالطب النفسي على نشاط رأب الفجوة الذي استهدف أطباء المراكز الصحية والمشافي والهيئات العامة وأطباء الهيئة العامة للطب الشرعي، وما يزال 913 منهم مستمر على رأس عمله، إضافة إلى تدريب كوادر صحية على تقديم خدمات دعم وتعزيز الصحة النفسية ومكافحة العنف المبني على النوع الاجتماعي، كذلك تدريب كوادر صحية على تقديم خدمات الإسعاف النفسي الأولي والإسعاف النفسي في ظل جائحة كوفيد 19.
أكثر من 600 ألف حالة
أوضحت د: شكو أن الأشخاص الذين راجعوا عيادات الصحة النفسية في المراكز الصحية والمشافي والهيئات المستقلة من بداية عام 2013 ولنهاية 2020 ( 502388) بتشخيص اكتئاب، و 23719 بتشخيص اضطرابات الشدة إضافة إلى مراجعة 98435 شخص بشكاوى غير مفسرة طبياً، ليكون اجمالي العدد 601.059 حالة، مؤكدة أنّ هذه الاحصائيات الرسمية التي ترد من وزارة الصحة فقط وفي المناطق والمحافظات التي تخضع لسيطرة الدولة فقط، أما بقية المناطق لا نعرف عنها شيء، بينما كشفت مصادر خاصة ل: فينكس أن حوالي 25% من السكان لديهم اضطرابات نفسية مختلفة الشدة وتقول التقديرات أنّ ثلث اللاجئين والنازحين والمهجرين يعانون من اضطرابات نفسية. مديرة الصحة النفسية ذكرت أن الذين استفادوا من خدمات العلاج بلغ عددهم 235121 مريضا من خدمات الصحة النفسية خلال 2020، بينما استفاد 47703 مريضا من خدمات الأدوية المجانية في المراكز والمشافي والهيئات العامة بنفس التاريخ، منوهة أنّ الفئات الأكثر تعرضاً للخطر أثناء الأزمات هي الفئات الهشة، الأطفال والمراهقين، النساء (خاصة الحوامل)، المسنين، ذوي الاحتياجات الخاصة، المرضى النفسيين، المهجرين الحرب سبب أساسي
الحرب ومخلفاتها كانت بالتأكيد سبباً هاماً في تزايد حالات الاكتئاب والقلق و اضطرابات الشدة ما بعد الرض، لكن لا يوجد مسح احصائي دقيق، حاليا المعلومات المتوفرة هي من خلال المرجعين الذين وصلوا إلى عيادات فيها إما طبيب رأب فجوة بالمراكز الصحية (طبيب مدرب غير مختص بالطب النفسي) أو طبيب نفسي موجود في المشافي التخصصية حيث ترد الأعداد من المحافظات التي تقع ضمن سيطرة الدولة فقط، بينما مثلا ادلب – الحسكة – الرقة – دير الزور لا يصل منها اي احصائيات حسب ما قالته "د" شكو.
وبيت د. "شكو" ليس شرطا أن كل شخص تعرض لضغوط يصبح مريض نفسي، فهناك أسباب وراثية وأخرى مكتسبة وبيئية للمرض النفسي، لكن الشخص الذي يتعرض لضغط نفسي قد يتعامل مع الأمر بحالة من السلبية كأن يلجأ إلى تعاطي مواد مخدرة أو الاكثار من التدخين أو أن يشرب كحول لكي يصل إلى حالة التهدئة، بينما الطفل الذي يتعرض لضغوطات نفسية تظهر عليه ضغوط سلس بولي أو خوف وتبول لا إرادي وأحيانا اضطرابات مثل التأتأة، ويمكن أن تختلف الحالات حسب الأعمار.
تشكل خطراً
قد يتعرض بعض الأشخاص لاضطراب ما بعد الرض (تعرض لحدث مفاجئ وعنيف ولم يستطيع أن يدافع فيه عن نفسه أو عن الشخص اللي يراه أنه يتعرض للأذية) مثل الاغتصاب أو الذبح لذلك يصبح لديه ومضات، كأن يذكر الحادثة أو يشم الرائحة وحتى يتخيل المنظر السيء الذي رآه حيث تأتيه كوابيس وأرق أثناء النوم، لكن ليس كل شخص تعرض لشدة معنى ذلك أنه سوف يصاب باضطراب الشدة ما بعد الرض وإنما هي تصيب نسبة من الناس، علماً أنه قد يشفى بدون علاج دوائي بل عن طريق دعم نفسي اجتماعي بهدف تجنبهم تتطور الحالة وتحولها إلى اضطراب نفسي شديد حسب ما قالته د: شكو، بينما التعامل الايجابي لمن تعرض لمثل هذه الحالات يكون من خلال ممارسة نشاط بدني معين – عدم التفكير بالأشياء السلبية، لافتة أن هناك اضطراب زهاني ومنها الانفصام الزوري حيث يمكن أن يطور المريض الأوهام بحيث يتكون لدى المريض اهلاسات سمعية يسمع أشياء لكنها ليست حقيقية أو يعتقد نفسه مراقب وهذا الأمر كان ملاحظ قبل الحرب، أي أنّ المريض لا يستطيع التمييز بين الواقع والخيال بسبب الأوهام، منوهة أنّ الاهلاسات قد تكون سمعية غالبا أو حتى بصرية أو شمية بمعنى أنه لا يوجد منبه حقيقي هي فقط أصوات آمرة تأمر المريض بقتل فلان حيث ينفذ تلك الأوامر، أو قد يكون القتل تحت تأثير مواد مخدرة يقترف أشياء غير مدرك ماذا يفعل، ورغم ذلك تؤكد د: شكو أن العنف في الاضطراب النفسي ليست نسبة عالية كما يشاع دائما بأنّ الصورة عن المريض النفسي أنه المريض العنيف، هذه الصورة ليست صحيحة ومن الخطأ ارتباط فكرة العنف بالمرض النفسي إلا ببعض الحالات التي تم التحدث عنها، مشددة على ضرورة زيارة الطبيب النفسي في حال شعرو لاحظ أحد أفراد عائلته أن عنده مشكلة نفسية بهدف علاجه قبل أن يتطور إلى أشياء خطيرة.
ورغم كل تزايد حالات الاضطرابات النفسية التي أصابت الكثيرين لا يزاد عدد الأطباء النفسيين محمدود جداً 90 طبيب على مستوى القطر، ويتم العمل على تغطية هذا من خلال برنامج رأب الفجوة (تدريب أطباء على اكتشاف بعض الاضطرابات النفسية أو وحالتها للأخصائي النفسي).
ضغوطات اجتماعية
بدورها الاختصاصية الاجتماعية أسمهان زهيرة أوضحت أنّ الأحداث والظروف البيئية كالحرب والكوارث الطبيعية والفقر والبطالة وأحداث العنف والجريمة ومشكلات الصحة النفسية مثل تناول المخدرات والانتحار وعدم الاستقرار كلها تمثل مصادر أساسية للضغوط الاجتماعية، منوهة أنّ استجابة الأفراد لها تختلف باختلاف ظروف المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والبيئية كما أن التغييرات في الاعتقادات والتوجهات أصبحت تؤثر كثيرا في مستوى الضغوط لدى الافراد، كذلك اختلفت كثيراً من القيم السامية والنبيلة ،وظهر عوضا عنها قيم النفعية والأانانية والكذب والنفاق.
وعن تأثير الأزمات النفسية على الفرد والمجتمع بينت زهيرة أنه من المرجح أن يصاب معظم الأشخاص خلال فترة الأزمات النفسية بضائقة مثل والحزن - اليأس- الأرق - سرعة الانفعال أو الغضب وقد تزداد الاضطرابات النفسية كالاكتئاب أو الفصام أو ادمان الكحول والتي كلها تؤدي إلى تدهور العلاقات الاجتماعية وانتشار التطرف والتعصب وتأثر القيم والأعراف الاجتماعية من خلال تأجيج أفكار وسلوكيات عدائية تسبب خسارة كبيرة في الانسجام والتضامن الاجتماعي.
أخيراً
وأخيراً نقول أن المرض النفسي مثل أي مرض عضوي قابل للشفاء والعلاج، ويجب نشر ثقافة الطب النفسي وعدم الخجل من زيارة الطبيب النفسي عند الشعور بأي عرض نفسي من أجل تدارك الموضوع خشية أن يتحول إلى جريمة أو كارثة وفي الطب النفسي تنطبق مقولة / الوقاية خير من قنطار علاج /