المكتب المركزي للإحصاء: من المتوقع أن تصل نسبة البطالة في عام 2020 إلى 35%
اقتصاديون: ارتفاع معدلات البطالة الرسمية لا تعكس العدد الفعلي للقوة العاملة التي يمكن لها أن تعمل لكن لا ترغب به
أخصائي اجتماعي: عدم التخطيط للتنمية المتوازنة ساهم في اتساع ظاهرة البطالة بين فئة الشباب و تهميشهم بقصد أو بغيره
دمشق– ميليا اسبر– خاص فينكس:
تراجعت القوة العاملة في سورية بشكل واضح خلال العام الماضي، وربما كان لفايروس كورونا دور في ذلك بعد أن توقفت العديد من المنشآت عن العمل بشكل جزئي أوكلي ما أثّر على الاقتصاد المحلي ودوران عجلة الانتاج، معلومات خاصة من المكتب المركزي للإحصاء كشفت لجريدة "فينكس الإلكترونية" أن نسبة البطالة لعام 2020 تقدر بحوالي 35%، وأنها مرتفعة نوعا ما.
زيادة نسبة البطالة مؤشر على قلة الاستثمارات ما ينعكس على كافة النشاطات الاقتصادية في سورية بشكل عام، وتالياً تراجع القدرة الشرائية للمواطنتين، وتقلص طاقات الانتاج والعمل، علماً أن الأرقام الرسمية للبطالة لا تعكس العدد الحقيقي للمتعطلين عن العمل لكن لا ترغب بالعمل، فالبطالة عبارة عن انخفاض الدخول وتالياً زيادة الفقر، وما ينتج عنه من كساد في الاقتصاد حسب ما قاله باحثين اقتصاديين.
35% نسبة البطالة:
مصادر خاصة من المكتب المركزي للإحصاء كشفت لجريدة "فينكس لإلكترونية" أنه من المتوقع أن يكون معدل البطالة لعام 2020 الذي يجري تجهيز بياناته حوالي 35% وهي نسبة كبيرة، كما أنّها أعلى من المعدل في عام 2019، التي بلغت نسبتها 31.2 % منها 12.9% للذكور، و 62.2% للإناث، ولفت المصدر أنّ معدل البطالة تكون دائما مرتفعة بين الإناث أكثر من الذكور لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد، منوهاً أنّ المعدل قد يكون أكثر من ذلك بسبب أنّ ربّ الاسرة هو يأخذ القرارعن بقية أفراد الأسرة ونرى ذلك في كثير من الدول وخاصة العربية منها حيث من المفترض أن يكون مسح قوة العمل فردي يتم على أفراد بحيث يتناول أفراد الأسرة كلاً على حدا بحيث يتم استيفاء الأسئلة من قبل الفرد ذاته دون تأثيرات على رأيه، علماً أنّ معدل البطالة يقاس للأفراد من عمر 15-وأكثر ممن يبحثون عن العمل ولديهم الرغبة فيه.
وأوضح المصدر أنّ الكثير من العاملين في القطاع الخاص تكون طبيعة العمل أكثرها مؤقتة أو متقطعة وليست دائمة، مما يشعرهم بعدم الاستقرار وتالياً غالباً ما يصرح بأنه ليس لديه عمل بحيث ينظر إلى فرصة عمل في القطاع العام تحقق له الاستقرار والديمومة.
معدّل البطالة لا يكفي لمعرفة منعكساتها:
يقول خبراء الإقتصاد أنه لا يكفي قراءة معدلات البطالة لمعرفة انعكاساتها على الاقتصاد، حيث أن الحرب أثرت على تركيبة سوق العمل.
الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب، تقول: أنه لا يكفي النظر إلى رقم معدلات البطالة لمعرفة انعكاسات البطالة على الاقتصاد والمجتمع، حيث تظهر معدلات البطالة أن بطالة الإناث تجاوزت 62% مقارنة ببطالة الذكور التي لم تتجاوز 13%، علماً أن بطالة الإناث قبل الأحداث في العام 2010 بلغت 22% مقابل 6.2% بطالة الذكور، وهذا يشير إلى تأثير الحرب على التركيب الهيكلي لسوق العمل.
وأضافت د: سيروب أنه لا يمكن قراءة إرتفاع معدلات البطالة عند الإناث إلا من زاوية تغير نظرة المرأة "وذويها والمجتمع" إلى مفهوم العمل الذي بات "ضرورة اقتصادية فرضت الحرب أسبابها لتحسين واقع اجتماعي". والسبب ارتفاع معدلات الفقر واضطرار المرأة للعمل دعماً للرجل ورب الأسرة، ونشوء نسبة كبيرة من الأسر التي تعيلها نساء بسبب فقدان المعيل، لافتة أنّ ذلك يشير إلى حجم الطاقة الإنتاجية "الكامنة" والتي لم تستطيع سنوات "الازدهار" قبل الحرب من استثمار القدرات النسائية الكامنة والتي كشفتها وفرضتها منعكسات الحرب وتبعاتها المباشرة وغير المباشرة، لكن بالمقابل فإن معدلات البطالة المنخفضة لدى الذكور لا تعني أنهم قادرين على تأمين فرصة عمل أكثر من النساء، بل يشير إلى انخفاض قوة العمل من الذكور التي انخفضت بأكثر من 1,3 مليون ذكر، لأسباب مختلفة أهمها الهجرة الخارجية، ما يعني البطالة ليست إلا "عنصراً معطّلاً من عناصر الإنتاج"، وتالياً تراجع في فرص واحتمالات النمو الاقتصادي وتسريع عملية إعادة الإعمار.
لا تعكس العدد الحقيقي:
رغم ارتفاع معدلات البطالة الرسمية، غير أنها لا تعكس العدد الحقيقي لـ"المتعطلين"، بمعنى آخر لا تعكس العدد الفعلي للقوة العاملة التي يمكن لها أن تعمل لكنها لا ترغب بالعمل، حيث أن نسبة كبيرة من قوة العمل أحجمت عن البحث عن العمل واختارت "طواعية" أن تبقى دون عمل بسبب انخفاض الأجور- ليس الحقيقي فقط بل والاسمي أيضاً - فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والوقت الطويل الذي يهدره الموظف في الذهاب والإياب من وإلى مكان العمل حسب ما أكدته د: سيروب، وأنّ هؤلاء وفقاً لتعريف البطالة "الشخص القادر على العمل ويبحث عنه لكن لا يجده" لا يندرجون ضمن أرقام البطالة، علماً أنه إذا ما أخذنا البطالة لدى شريحة الشباب فإن الأرقام أكبر بكثير، منوهة أنه في كل الحالات البطالة ليس رقم إحصائي بل لها مدلولات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأيضاً مستقبلية.، فالبطالة تعني انخفاض الدخول وبالتالي زيادة الفقر، وما ينتج عنه من كساد في الاقتصاد، وأيضاً تعني أزمة تشغيل وعدم توافر الموارد المالية لخلق فرص العمل، الذي يعني بدوره "هدراً" للمورد البشري الذي بات عماد تقدم ونهضة أي اقتصاد في العالم، كما أنها البيئة الخصبة للإجرام وانتشار التطرف والإرهاب والانحلال الأخلاقي وتدهور القيم المجتمعية وتالياً، تشكل البطالة قنبلة موقوتة تهدد السلم والأمن الاجتماعي، وكانت الأحداث في سورية خير دليل على ذلك، بصرف النظر عن كونها مطالب محقة أو مؤامرة كونية كما يحب البعض تسميتها، لكنها قامت من خلال شباب عاطلين عن العمل في مناطق معدلات الفقر فيها مرتفعة.
غياب الجدية في اصلاح القطاع العام:
بدوره دكتور الاقتصاد سنان علي ديب، ذكر أنّ عام ٢٠٢٠ كان عام الحصار والارهاب الاقتصادي والذي انعكست على أغلب المؤشرات ومنها سعر الصرف ارتفاعه وعدم استقراره، إضافة إلى عدم جذب الاستثمارات لانعدام الثقة والأمان و كذلك ضعف القوة الشرائية والاجور، وتالياً حاجة الشخص لأكثر من عمل لمتابعة الحياة و تقلص طاقات الانتاج بسبب خروج الكثير منها بسبب الوضع الأمني، ما أدى إلى انخفاض الطاقات الانتاجية إضافة إلى عدم وجود تطبيق فعلي لإصلاح وتوسيع القطاع العام، مشيراً كذلك إلى حجم النزوح الداخلي الكبير الذي أدى إلى زيادة العرض على العمل مع ولوج أعداد كبيرة لسوق العمل سنوياً، كل هذه الامور جعلت السوق غير النظامي والذي يتجاوز ٧٠ % هي المستوعب والمسيطر، علماً أنه سوق متحول وغير مستقر.
وذكر أنّ البطالة تعني عدم التمكين من الاستقرار أو التفكير المستقبلي و تؤدي للإحباط واليأس.. حيث أنّ تراجع قوة العمل يعني تراجع الاستثمارات والتوظيف الرأسمالي وبالتالي ضعف النمو وما ينعكس على كل المؤشرات الاقتصادية.
للبطالة انعكاساتها الاجتماعية الخطيرة على العاطلين عن العمل خاصة بين فئة الشباب وقد ساهمت الحرب بتفشيها في المجتمع السوري
تسريح العاملين الشباب:
الدكتور حسام سليمان الشحاذة الاختصاصي النفسي والتربوي في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أوضح أنه ما حدث خلال الحرب أدى لبروز ثلاثة ظواهر رئيسية تتعلق بالموارد البشرية الشابة أهمها ارتفاع نسب تسريح العاملين الشباب من بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية والصناعية والزراعية سيما في القطاع الخاص لتخفيف الأعباء المالية عليها بسبب خروج بعض منشآتها عن الخدمة، إضافة إلى ارتفاع نسب دوران اليد العاملة بين العاملين الشباب في القطاعات الحكومية لعدم تناسب الدخل مع المستوى المعيشي ولجوء هؤلاء العاملين إلى القطاع الخاص الذي وصف بأنه يوفر مستوى مقبول وجيد مقارنة مع مستوى الرواتب والأجور في القطاع العام، لافتاً إلى قلة فرص العمل وتضائلها ما أدى إلى ارتفاع نسب البطالة بين الشباب سيما المختصين من خريجي الجامعات وعدم قدرتهم للحصول على فرصة عمل تتوافق ما لديهم من شهادات ومؤهلات.
عجز إدارة الموارد البشرية:
وبين د. الشحاذة، أنّ أهم المسببات التي تقف خلف ظاهرة البطالة بين فئة الشباب في المجتمع، يعود في معظمها إلى عجز الفكر الاقتصادي في سورية عن إدارة الموارد البشرية في فترات الحروب والنزاعات المسلحة في جميع القطاعات الإنتاجية أو الخدمية أو الصناعية، التابعة للقطاع الحكومي أو الخاص وعجزه عن تفسير الظواهر والأزمات وفق منهج سليم أو تحليل ما يرتبط به من مظاهر الكساد أو التضخم أو البطالة، فظاهرة عدم الاستقرار الوظيفي ودوران اليد العاملة والبطالة الحقيقية أو المقنعة خلال سنوات الحرب على سورية لم نجد من يتابع مؤشرات تطورها أو تداعياتها على أرض الواقع، فنادراً ما نقرأ بين الأرقام والإحصائيات المتداولة ما يدلل على مخاطر التسريح أو البطالة بين الشباب من خريجي الجامعات السورية، ليس لغياب الإحصائيات كما قد يعتقد البعض بل لأن توجه صناع القرار ينصب على مؤشرات أخرى (كمتوسط الأجور– توزع القوى العاملة) وحتى إذا قلنا أنّ مؤشرات التسريح أو البطالة محدودة أو ضعيفة مثلا، فهذا لا يقلل من أهمية البحث فيها وفق منهجية البحث عن المشكلة وحلها وفق مجموعة مؤشرات احصائية ووفق اتجاهات الشباب أنفسهم، أو من خلال استطلاع آراء أصحاب الفعاليات الاقتصادية وأصحاب رؤوس الأموال الوطنية.
هددت فئة الشباب:
وأضاف د. الشحاذة: إن ظروف الحرب الارهابية على سورية أفرزت عدة تحديات هددت فئة الشباب، من أبناء المجتمع والتي تجلت بتراجع التوظيف الأمثل للموارد البشرية، وبطء العمل الحكومي والخاص الموجه نحو إعادة هيكلية الاقتصاد الوطني بالتزامن مع معدلات منخفضة للنمو الاقتصادي وعدم تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وعدم اشراك أكبر شريحة منهم في الدورة الاقتصادية والتي كان لهذه الفئة قبل الأزمة السورية دور فاعل في عجلة التنمية الاقتصادية بشكل متوازن.
موضحاً أنّ ظاهرة البطالة وتسرب العمالة الوطنية ظاهرة اجتماعية واقتصادية، يقف خلفها مجموعة أسباب متداخلة ومترابطة لا يمكن الفصل بينها، وإن حدث فصل بين تلك الأسباب فهو نظري بحت لأغراض التحليل العلمي، فكل سبب يؤثر في غيره من الأسباب بنسب متفاوتة ويأتي في مقدمة تلك الاسباب ظروف الحرب والتهجير وترك مكان الإقامة الأصلي وخسارة أصحاب العمل لموارد رزقهم ومواجهتهم ظروف اقتصادية واجتماعية وأمنية قاسية وغير مألوفة، لافتاً أنّ جهود بعض القطاعات الحكومية للحد من أسباب البطالة لم تكن مؤثرة وفاعلة بالقدر المنشود، كما لم تكن مركزة على الشرائح الاجتماعية الأكثر عوزاً ذلك أن نظام الدعم الحكومي لهذا الخصوص خلال السنوات العشرة الماضية كانت خجولة ومتواضعة ولم تشمل جميع الفئات الاجتماعية.
مسؤولية الجميع:
وفي رده على سؤال حول أهم الحلول المتاحة لتخفيض معدلات البطالة بين الشباب خاصة خريجي الجامعات أجاب د. الشحاذة: أن هذه المشكلة تحولت إلى إشكالية وأن الحل لا تأتي من طرف الحكومة فقط دون جهود المواطن وكذلك القطاع الخاص والأهلي، فالجميع مسؤول عن الحد من ظاهرة البطالة فعلى المستوى الحكومي لا بد من تنظيم خريطة إحصائية وطنية قابلة للتحديث المستمر لرصد نسب البطالة ودوران اليد العاملة بين الشباب الذين يوصفون بأنهم قوى معطلة، فتلك الخريطة لها دور كبير وهام في تخطيط الجهود وإعادة توزيع الموارد البشرية، كما تساهم في صنع القرار على المستوى القومي لمعالجة ظاهرة البطالة وتخفيض نسبها إلى الحدود الدنيا.
أما على مستوى القطاع الخاص، فقد دعا د. الشحاذة الرأسماليين الوطنيين وأصحاب الفعاليات الاقتصادية، لمؤازرة الجهود الحكومية للحد من ظاهرة البطالة والتي يجب على الحكومة احتضان تلك الجهود وتقديم جميع التسهيلات الممكنة لها، لإعادة دوران العجلة الانتاجية. فمعظم أصحاب الفعاليات الاقتصادية الوطنية هاجروا خارج الوطن سورية، وما بقي منها يعاني من غياب الرعاية الحكومية لتأمين البنية التحتية الملائمة للنهوض مجددا بالاقتصاد الوطني وهذا يمكن تسميته بغياب منظومة الأمن الاجتماعي والاقتصادي بالنسبة للرأسماليين الوطنيين.
ختاماً:
وأخيراً يمكن القول أنّ ارتفاع معدلات البطالة في سورية يعود إلى زيادة الطلب بمعنى زيادة الفئة العمرية من 15- 64 سنة، وفلة الفرص بسبب إغلاق كثيرمن المنشآت ودمار بعضها خلال الحرب والذي يعود إلى الحصار الجائر على سورية، بالإضافة إلى سياسات الاغلاق خلال جائحة كورونا ، لكن الجميع يعرف أنّ ظروف البلد كانت وما زالت استثنائية، إلا أنّ ما نراه من أفق في الوقت الراهن ربما يؤدي إلى فتح فرص عمل واسعة ومتنوعة، لكن ذلك يحتاج إلى دعم حكومي واستثنائي للفئات الشابة للحد من تفشي البطالة في سورية.

