مزارعون: المبيع لا يغطي تكاليف الإنتاج
ميهوب: إغلاق أبواب التصدير الداخلي والخارجي تسبب بكساد الإنتاج
مصطفى بروّ- خاص فينكس:
لم يكن موسم انتاج البندورة المحمية مجديا اقتصاديا مع المزارع هذا العام، لأسباب عديدة اجتمعت كلها لتقف ضد الفلاح وتعبه ومردوده الإنتاجي، ومما زاد الطين بلة وزاد المزارع شقاء وخسارة هو رفع سعر مبيع الأسمدة مؤخراً، بنوعيها الفوسفاتية والآزوتية أكثر من خمسة أضعاف للكيس الواحد، مما يضع أكثر من علامة استفهام على مقولات مثل: الزراعة هي قاطرة الاقتصاد الوطني، وهذا العام هو عام القمح، علما أنه يبدو عام المحل والقحط سواء في الانتاج أو بتوافر الأسمدة.
تكاليف زراعة وانتاج البندورة المحمية معروفة للجميع بقيمها العالية وغلائها الفاحش، بدءاً من ثمن البذار مرورا بالفلاحة وثمن الأدوية الزراعية ومازوت الري والأسمدة، ولاتنتهي عند أجور اليد العاملة وأجور النقل، وحين يأتي تسويق الانتاج ويكون قيمة المبيع أقل من التكلفة ولا يحقق هامش ربح مقبول كتعويض عن أتعاب المزارع، فهذا يعني وجود خلل في العملية الزراعية و يعني أن هناك خطراً على الزراعة بانهاك الفلاح وتهجيره من أرضه ومهنته.
تكاليف باهظه:
عدة مزارعين في منطقة سهل عكار، ورئيس الرابطة الفلاحية في بانياس "غياث داؤد" أكدوا أن متوسط تكلفة انتاج الكيلو الواحد من البندورة المحمية بين 500-600 ليرة، علماً أن الكيلو كان يباع قبل عشرة أيام من المنتج بحدود 300 ليرة، واستمر هذا السعر حوالي شهراً ونصف الشهر إلى أن تحسّن مبيع البندورة حاليا بشكل طفيف ووصل الى 600 ليرة للبانياسية، وأكثر بقليل للجردية، وأقل من ذلك للعكارية.
وأوضحوا أن بيتاً بلاستيكياً بطول 40 متر يحتاج الى كيس سماد سوبر فوسفات أصبح سعره الآن بحدود 57 ألف ليرة، مع نصف كيس بوتاس سعره بحدود 50 ألف ليرة، مع ظرف بذار بندورة من أنواع مختلفة (مندلون، مجدولين، بستونا، يسرى، باستيلا، دومينا...) يحوي ألف بذرة بسعر وسطي ٢٢٥ ألف ليرة، مع أدوية زراعية مختلفة ومعقمات للتربة ضد العديد من الأمراض (اللفحة، المن، العناكب، الفراشة، البرغش، الدود، البياض الدقيقي، النيماتودا، الفوزاريوم....) وكلها بتكاليف عالية.
و وصل سعر لفة الشرائح البلاستيكية الى حدود 700 ألف ليرة تخدم من 2-3 ستوات، وسعر 12عبوة تعبئة (العد) بين15-20ألف ليرة، وسعر نقلة السماد العضوي (الذبل) للبيت الواحد بحدود 70ألف ليرة، ولم نذكر بعد تكاليف الحراثة ومحروقات مياه الري وأجور نقل الانتاج وأجور اليد العاملة، وكلها بتكاليف عالية دون مردود مالي مناسب، مما يضع الفلاح في حيرة من أمره بين أن يهجر الزراعة المحمية ويتحول الى زراعات أرضية أقل تكلفة لكنها أقل انتاجية، أو يترك العمل الزراعي كليا لعدم جدواه وانعدام الربحية فيه.
سعر تسويق غير مجد
رئيس اتحاد فلاحي طرطوس محمود علي ميهوب، أوضح أسباب تدني سعر تسويق كيلو البندورة المحمية في سوق الهال والذي تراوح خلال الشهرين الماضيين بين300-400 ليرة، مفسرا ذلك بالانتاج الوفير الذي تكدس في المنطقة الساحلية ولم يجد أسواقاً لتصريفه لا داخل القطر ولا خارجه، إذ زرع في محافظة طرطوس فقط بحدود 100 ألف بيت بالبندورة المحمية هذا الموسم، قُدّر إنتاجها بحدود 400 ألف طن، وهذه الكمية الكبيرة من الإنتاج لم تجد منفذاً تسويقياً لها في المحافظات الشرقية (دير الزور، الرقة، الحسكة) الا ما ندر، وبكميات محدودة وبجهود خاصة والسبب في ذلك إغلاق المعابر مع هذه المحافظات، والنقص الكبير في مازوت الشاحنات مما رفع أجور نقل الانتاج بشكل جنوني، إذ وصل أجر شاحنة الأنتر حمولة 7طن الى 400ألف ليرة من طرطوس الى دمشق.
كذلك لم يجد الانتاج سوقاً خارجية لتصريفه لا عن طريق الاردن ولا الى لبنان ولا العراق بسبب إغلاق المعابر الحدودية، مما جعل الانتاج يتكدس في المنطقة الساحلية، فكان تدني سعر التسويق وفق قانون العرض والطلب، يضاف الى ذلك ضعف القوة الشرائية للمستهلك رغم تدني سعر مبيع البندورة المفرق.
وحول ضرورة وضع خطة زراعية للخضار المحمية بالاشتراك والتنسيق مع مديرية زراعة طرطوس، بحيث يخصص عدد محدد من البيوت المحمية لكل نوع من أنواع الخضار، حتى لا يحصل كساد في انتاج أي نوع منها، قال ميهوب: المشكلة أنّ المزارعين لا يلتزمون بالخطة والكل يريد أن يزرع البندورة طمعا بالحظ أو تفاؤلا بتوافر ظروف مؤاتية مستقبلا، ولأن إنتاجية البندورة جيدة ووزنها مجدي وموسمها طويل لمن يرغب.
وفق قانون السوق
حيان أسعد صاحب مكتب شحن تجارة وكمسيون خضار وفواكه في سوق الهال بالصفصافة أوضح أن المزارع المنتج لا يحصل سوى على القليل من قيمة انتاجه الذي يسوقه في سوق الهال، اذ يتم حسم عمولة بنسبة 7%من قيمة البضاعة المسوقة، مع حسم أجور العتالة بمعدل 5 ليرات لكل عبوة؛ مشيراً إلى أن سعر تسويق كيلو البندورة حالياً يتراوح بين 300-500 ليرة حسب الجودة، بينما تكلفته على المزارع بحدود 670 ليرة، ويتم شحن البضاعة الى محافظات دمشق وحلب وحمص وحماه بواسطة شاحنات الأنتر حمولة 8 طن وبأجور نقل 300 ألف ليرة إلى دمشق وحلب وأقل من ذلك الى حمص وحماه، إذ يتم يوميا شحن بحدود 1000طن بندورة من طرطوس الى بقية المحافظات ولا يوجد تصدير خارج القطر بسبب إغلاق المعابر الحدودية، كما لا يمكن شحن البضاعة الى المحافظات الشرقية لأسباب معروفة مما أدى الى تكدس الانتاج الكبير من البندورة داخل القطر وتدني سعر التسويق وفق قانون السوق.
هذه هي مجمل معاناة الفلاح هذا العام مع موسم البندورة الخاسر بامتياز، ولا بديل عن الإلتزام بالخطة الزراعية وتنفيذ جولات ميدانية على الحقول من قبل الارشاديات لمراقبة وتتبع مدى الالتزام بالخطة، و البحث عن سبل تسويق معقولة و منصفة من حيث السعر بالنسبة للمنتج، من ذلك التفكير جدياً بإنشاء معمل كونسروة لرب و عصير البندورة في المنطقة الساحلية، أسوة بمعمل درعا، هذا المعمل في حال إقامته سيستوعب قسماً كبيراً من الانتاج الساحلي، و من نوعية مناسبة لذلك، و سيساهم في انصاف المزارعين، من حيث السعر و التسويق، و هذا لا يتعارض مع إيجاد منافذ للتصدير داخليا وخارجيا، فالنوعية المعدة لذلك ذات مواصفات مختلفة عن المخصصة للتصنيع.

