رزان عمران- خاص فينكس:
لا ينطبق التحديد الزمني "قبل الحرب وبعدها" على مدينة طرطوس القديمة إذا أراد أحد توصيفها، فالزائر قبل 11 عاما لن يلاحظ تغييراً جذريا في تفاصيلها اليوم. المشكلات المزمنة بقيت ذاتها، وكذلك الوعود بالأفضل. الاختلاف بدا في ازدياد الترميمات العشوائية، وتحميل المسؤولية للحرب التي هي، بلا جدال، سبب لتراجع أي مشروع طموح لم ينل حقه من الاهتمام قبلاً، فبات مصيره كالحجر الرملي الذي يميز بناء هذا الجزء الأصيل، جميل، يثير حنيناً إلى الماضي بحضاراته وفروسياته، لكنه منهك من الداخل والخارج، إلى درجة الهشاشة المنذرة دوماً بالأسوأ.
على مساحة المدينة القديمة التي تقدر بـ٣٩٥٠٠م٢، يتجلى التلوث البصري في تنفيذ الخدمات كيفما اتفق دون حرص على التناغم الشكلي. يصعب تجاهل التنافر بين الحجر الأصفر والشارع العصري المزفت، والتمديدات الكهربائية المنفذة داخل الأحجار المعرضة للرطوبة، ما يجعل التمديدات مصدر خطر حقيقي، فضلاً عن سوء الصرف الصحي الذي زاد من تسرب المياه داخل الأحجار، وأتاح نمو نباتات يمكن لجذورها المتضخمة أن تؤثر على بنية الأحجار، وصولاً إلى منظر أنابيب الصرف الصحي الممددة خارجياً، والتي تشوه المنظر العام رغم تلبيس بعضها بالفخار. ثمة مجارٍ للصرف الصحي تتعرض للانسداد كل فترة بالأتربة والبحص، وعند امتلائها، تتسرب المياه إلى البيوت التي ينخفض منسوبها عن مستوى الشارع.
وخلال العقود الماضية، ومع ازدياد النشاط الاجتماعي والاقتصادي في هذا الأثر الفينيقي الآهل بالسكان، انتشرت المساكن العشوائية فوق العديد من أجزاء السور الذي يحيط بالمدينة القديمة، إلى حد أصبحت بعض الأجزاء الأصلية غير مرئية. استخدم السكان في بناء مخالفاتهم الإسمنت والطين، ما أفرز تلوثاً بصرياً بسبب عدم التجانس بين هذه المكونات والحجر الرملي الأصفر، فضلاً عن استخدام الدهان الملون حسب ذوق الساكن، والاستعانة بالحلول السريعة الرخيصة "تمشيةً للحال" كأسقف التوتياء والسلالم المعدنية لبعض المنازل العلوية.
تنسحب احتمالات الانهيار الكلية والجزئية من البيوت إلى أجزاء أثرية أخرى. ثمة شق كبير في أحد الأقواس السقفية يحتاج تدعيما بعجينة الملاط لإعادة التماسك. يرتفع القوس فوق ممر حيوي ما يجعل العابرين عرضة لاحتمال تساقط الأحجار مستقبلاً. أقواس أخرى متآكلة في الكنيسة المبنية على الطراز القوطي، يؤدي سقوطها المحتمل إلى سقوط السقف بأكمله، وفقا لمهندسين معماريين يزورون المنطقة لمعاينتها من حين لآخر.
تقيم أرملة المرحوم حسن حداد في دار أثرية أرضية اشتراها أهل زوجها منذ عام ١٩٥٠ وأجريت عليها العديد من محاولات التحسين لجعلها صالحة للسكن على المدى الطويل. تزامنت إحدى هذه المحاولات مع زيارتي بيتها، حيث انهمك عاملان في تجهيز خلطة الاسمنت لترقيع السقف الآيل للسقوط في إحدى الغرف. تقول لـ"فينيكس": "كنا قد نسينا هذه الغرفة تماماً لسنوات لشدة تصدعها وخوفنا من انهيارها علينا، فحجرها الرملي أنهكته الرطوبة. أقوم بهذه الإصلاحات كل بضعة سنوات حسب المبلغ الذي أستطيع توفيره والتكلفة تزداد ارتفاعاً مع غلاء الأسمنت. يقول المهندسون أنه يفسد مظهر الآثار، لكنه الحل الوحيد الذي أعرفه، والذي يحميني وأولادي في ظل عدم تقديم أي مساعدة لنا".
لا تضع السيدة، الأم لشاب وفتاة جامعيين، احتمالاً لمغادرة طرطوس القديمة تحت أي ظرف، تحدد السبب بالاعتياد والتأقلم رغم سوء الحال، فالأمر قابل للعلاج دون حاجة إلى إخلاء المكان. تقول: "يمكن للترميم الجيد أن ينقذ البشر والحجر، وفي حين أستطيع ادخار المال للترميم كل عشر سنوات، يعيش كثيرون هنا على الكفاف ولا يملكون هذه القدرة، وهم أولى بالمساعدة". تشكو من محاولة كثيرين خارج المدينة القديمة اتهام سكانها بالإهمال وعدم التعاون، وترى أن عددا قليلا من اللامبالين يؤثرون على سمعة باقي السكان الذين يبذلون جهداً واضحاً للحفاظ على نظافة شوارعهم والالتزام بمواعيد إلقاء القمامة. تقول انها لا
تستطيع رؤية أحد من عمال التنظيفات لأن دارها تطل على زقاق ضيق، فتنبهها جارتها المقيمة في طابق أعلى له نوافذ أن العمال موجودون ويجمعون الأكياس يومياً من الأماكن المخصصة لها في الساحات.
يختلف منزل سعاد عن المنزل الأول في تفاصيل عدة. هو أرضي أيضا لكن بفناء يشبه أرض ديار دمشقية بنسخة مصغرة متواضعة، تطل إحدى غرفه البحرية على فندق جونادا "بورتو طرطوس سابقا". وبين المنزل الأثري المتواضع والفندق الفخم فسحة خضراء لا تغادرها الأوساخ، تعد امتداداً غربياً لفسحة الخندق العميقة ذات الوضع المشابه من حيث تراكم القمامة نسبياً، تبعاً لتفاوت اهتمام السكان ونشاط العمال بين يوم وآخر.
لا تعرف سعاد متى تملّك أهلها المنزل الذي ولدت فيه قبل ٥٤ عاما، لكنها تذكر زيارات ووعود مهندسي البلدية إلى البيت وبيوت الجيران في الـ١٥ عاماً الماضية. تقول: "قبل أن تصبح الحرب وظروفها حجة لتأخير كل شيء، كانوا يعدوننا بتدعيم المنازل الخطرة ولم ينفذوا، ثم باتت الحرب هي العائق. أذكر الحريق الذي شب قبل ١١ عاما في السقف الخشبي لبيت شقيقتي المجاور ما أدى لانهياره، وما فعلوه كان تثبيت جدار المنزل الخارجي بوتدين خشبيين دون العناية بعوامل الخطر داخل المنزل".
تتميز دار سعاد الكبيرة نسبياً بغرف ذات سقوف عقدية (مقوسة) متصدعة في عدة أجزاء تشربت لوناً أخضر بفعل الرطوبة، فباتت عرضة للتسرب المطري الدائم. وبينما يفترض أن يكون الصيف فرصة للمعالجة، تعتبره سعاد فرصة لالتقاط الأنفاس وتناسي المشكلة، إذ لا ترغب بتذكر التكاليف الباهظة لصب سقوف جديدة بالكامل. تضيف: "نوافذ المنزل كانت من الخشب القطراني (خشب شجرة الأرز)، وكان عمر صناعتها يزيد عن السبعين عاما عندما سقطت بفعل العفن والتلف. تريد البلدية منا استخدام المواد الأصيلة ذاتها في أي إصلاح وترميم حفاظا على شكل المكان، ولأني لم أستطع تعويض الشيء بمثله لجأت إلى الألمنيوم لإقامة نوافذ بديلة، واحتج ممثلو البلدية على هذا الخيار فطلبت منهم تأمين النوع ذاته من الخشب وكنت مستعدة لإزالة الألمنيوم، لكن لم يحصل شيء".
وبينما ينظر سكان البيوت المتصدعة إلى السقوف والجدران، تبدو شقيقة سعاد مذعورة من هبوط أرضية غرفتها الوحيدة التي تؤويها مع ابنتها وأحفادها بعد احتراق غرفتها الأخرى بفعل ماس كهربائي. وبمعزل عن السقف الخشبي غير المدعم، تبدو الأرض اسمنتية غير مبلطة، فضلاً عن تشققها وميلانها. تقول: "لا أعلم سبب الميلان ولا ما يوجد في الأسفل. لكن اعلم أنه إذا تداعى السقف على رؤوسنا سنسقط مع الأرضية".
يذكر السكان الخطوة الحكومية التي تمت قبل نحو ١١ عاما لحماية بعض شاغلي المساكن المتهالكة، عندما تم تخصيصهم بشقق خارج المدينة، مع التزامهم بدفع أقساط شهرية مقابل تملّكها، وبسبب بعد هذه الشقق عن أماكن عملهم داخل المدينة وصعوبة المواصلات وعدم القدرة على تسديد القسط في موعده، قرروا العودة وفتح منازلهم المتصدعة مجدداً وإصلاحها حسب المتاح، لتعود المشكلة كأنها لم تُحل.
ومع بدء الأزمة السورية عام ٢٠١١، ساد رأي بوجوب "عدم استفزاز" الأهالي، وبالتالي عدم محاولة تغيير الواقع إلا بما يمنع تدهوره أكثر من ذلك، وجاءت الحرب لتدعم حجة شح الموازنات وعدم وجود ممولين. تقول المهندسة "ميرفت عثمان" التي تسلمت رئاسة المدينة القديمة قبل نحو عامين: "اتخذت مساعي التطوير خلال سنوات الأزمة شكلاً من "المسايرة" للسكان ومحاولة الإقناع بجدوى العمل لصالح المنطقة. لا يمكننا كثيراً لوم الإدارات السابقة على سوء الوضع خلال الأزمة، فالحرب أدخلت البلد في مرحلة التعامل مع القضايا الملحة حسب الأولوية، وفي ظل الدمار الهائل الذي لحق بالكثير من الآثار، تراجع مشروع تحسين واقع طرطوس القديمة، وبات التعاطي مع ملفاتها المعقدة أمراً قصير المدى".
تبيّن المهندسة عثمان أحدث ما تم عمله منذ العام الماضي لإيجاد حل نهائي يحدد كيفية انجاز الترميم بما يسمح للبلدية بالاستفادة من نتيجة إصلاح عقارات لا تملكها أصلا. تقول: "قمنا بحصر العقارات المهجورة المخالفة والمؤثرة على النسيج العمراني، وبلغ عدد هذه العقارات 9 منازل توارثها أصحابها عن أجدادهم وتشتتوا في أماكن عدة. تمثلت خطورة هذه المنازل بأن انهيارها يعني انهياراً شبه حتمي لمنازل ملاصقة لها. كانت الخطوة التالية الحصول على بيانات قيد عقارية من مديرية المصالح العقارية، ثم توجيه إنذارات للمالكين، وبالتالي الورثة، لإخطارهم بضرورة الترميم الذي لا تُعتبر البلدية مسؤولة عنه لكون هذه المنازل ملكيات خاصة لا يمكن الدخول إليها دون موافقة أصحابها".
تضيف: "وفقا لقانون السلامة العامة، اضطررنا للتدخل الإسعافي في أحد المنازل الذي تتساقط منه الأحجار مهددة عابري الزقاق، فأزلنا الأحجار المتساقطة واحتفظنا بها لاستخدامها لاحقا في الترميم إلى حين استجابة الورثة والمالكين للإنذار، الأمر الذي يعد تحت طائلة المسؤولية، مع عدم ضمان حصوله بسبب تواجد العديد منهم خارج البلد. يحول قانون الآثار دون قدرتنا على ممارسة صلاحيات إضافية فيما يتعلق بعقارات لا نملكها، ومع ذلك يحق للسلطات الأثرية التدخل من خلال الاستملاك، وهو أمر مكلف لأنه يتضمن صرف تعويضات لأصحاب العقارات. ولأن الأمر يتعلق بالأولويات، تتراجع طرطوس القديمة للأسف أمام العديد من المناطق الأثرية التي أضرت بها الحرب، ما يقودنا للاكتفاء بإجراءات احترازية حمائية ريثما تتوفر الموازنات الكافية لتحقيق المزيد".
وتكشف عثمان عن اتجاه قد يتم اعتماده كحل إنقاذي في حال عدم استجابة أصحاب العقارات المنذَرين، وهو وضع إشارة على صحيفة العقار والسعي للحصول على موازنة بأي قيمة لترميمه ثم استخدامه لأغراض ثقافية واجتماعية، وفي حال طالب مالكوه به أو أعلنوا رغبتهم بالتصرف فيه مستقبلا، تتم مطالبتهم أولاً بدفع تكاليف الترميم التي تحملها مجلس المدينة.
وتبدو مشكلة العقارات الخطرة المهجورة سهلة قياساً إلى الآهلة بالسكان، مالكين أو مستأجرين، فبينما امتلك بعضهم تكاليف الترميم واستطاعوا الحصول على رخصة لذلك بمساعدة لجنة حماية المدينة القديمة، ثمة 29 منزلاً متصدعاً لا يستطيع أصحابها ترميمها لقلة ذات اليد، وفقا لعثمان، التي تضيف: "استطعنا الحصول على تبرع مالي بتدخل من المحافظ، وقامت اللجان المعنية بالكشف والسلامة العامة والشؤون الفنية بإعداد محاضر الترميم، ويتم حالياً تشكيل لجنة لإعداد الاضبارة التعاقدية للبدء بالعمل، وتضم اللجنة مختصين بالعمل الآثاري من جامعة دمشق ونقابة المهندسين، وصولاً إلى ورشات متخصصة بترميم الآثار والتي تمتلك رؤية سليمة للمادة التي سيتم استخدامها وخلطها بنسب معينة مع المواد الأخرى بما يحافظ على التناغم العمراني الشكلي. الدراسات في مراحلها الأخيرة ونأمل أن يشهد هذا العام تنفيذاً على أرض الواقع".
ترفض عثمان الاقتراح الذي طُرح فيما مضى بتفريغ المدينة القديمة من سكانها "الميؤوس منهم" بدعوى عدم تعاونهم مع محاولات التحسين. توضح: "تنطوي هذه الدعوة على تجاهل لخطورة إخلاء مكان أثري من سكانه، فهو ليس قلعة سكنية يمكن تفريغها وتجهيزها بحراس وصالة استقبال للسياح، بل منطقة سكنية كاملة لها طابع تقليدي شعبي تستمده من قاطنيها بالدرجة الأولى، وهذا أمر يهم السياح الذين لا يبحثون عن تجربة زيارة المكان فحسب، بل معايشة تفاصيله الحياتية النابعة أولاً وأخيراً من الأهالي، عدا عن أن تكرار الحديث عن تدني ثقافة السكان يثير سؤالاً أساسياً: ما الذي فعلناه كإدارات متعاقبة لمحاولة تغيير نمط تفكير هؤلاء والحفاظ على هذا النسيج العمراني؟".
رداً على ذلك، تذكر عثمان المحاولات المثمرة مع الأهالي طيلة عامين لحثهم على التعاون أكثر في موضوع القمامة، عندما تناقص عدد عمال النظافة كثيرا منذ عذة سنوات بسبب التجنيد، فضلاً عن تعطل العديد من آليات جمع القمامة وصعوبة الحصول على قطع الغيار والصيانة المطلوبة. تقول:"تضمنت التوعية نشر كتيبات حول أهمية المنطقة وقيمتها التراثية والاجتماعية، و لافتات عند مدخلي المدينة وسور الخندق وأماكن أخرى تتضمن مواعيد إلقاء القمامة. لم يكن سقف التوقعات مرتفعا باستجابة عاجلة ومثالية من السكان، فهذا أمر لا يمكن ضمانه حتى في الأحياء الحديثة التي نفترض مستوى أعلى من الوعي لدى أهلها، لكن الأمور آخذة بالتحسن تدريجياً، وسياستنا هي النَفَس الطويل. يتعاون معنا عمال برنامج منظمة الأمم المتحدة الإنمائي "UNDP" في تجميع القمامة يومياً في أماكن محددة، لتقوم آليات البلدية بنقلها إلى المكب، وأي مخالفة يتم رصدها يتم إرسال الضابطة العدلية إلى الساكن المسؤول لتغريمه. كل ذلك قاد إلى وضع بيئي أفضل كثيراً عما كان قبل سنوات قليلة".
تأمل بجدوى التركيز على الأطفال خصوصاً، من خلال التشبيك مستقبلاً مع منظمات تعمل في هذا المجال، تذكر ورشة الرسم التي نٌفذت قبل أكثر من عام ولم تسمح ظروف كورونا بتكرارها. تقول: "ربما ليس ذلك من صلب عملنا، لكن قانون الإدارة المحلية ينص في جزء منه على أخذ الجانب الاجتماعي والثقافي بالاعتبار".
لا إحصائيات سكانية جديدة في طرطوس القديمة منذ عام ٢٠٠٤، عندما سجل الإحصاء حينها ١٣٩٦ نسمة في المكان التاريخي. تقول عثمان: "يتطلب الأمر استقراراً افتقدته البلد، عدا عن أن توافد المتضررين من الحرب إلى طرطوس عموما زاد عدد سكانها من ٩٧٠ ألفا قبل الأزمة إلى نحو ٣ ملايين في عامي 2013 و2014، وصولاً إلى مليونين ونصف تقريباً اليوم. علماً أن المدينة القديمة احتضنت العديد من الأسر الوافدة بسبب الحرب في مركز إيواء ضمن الجزء المسمى قبو عرفات".

