2021.07.20
رحاب الإبراهيم- حلب- فينكس:
"الله يديم الشوب".. كلمات قد تكون قليلة، لكنها تعبر بوضوح عندما قالها تاجر صغير السن يضع براداً لبيع المثلجات أمام محله في منطقة العبارة في حلب عن دسمة أرباح موسم أو اقتصاد الشوب وخاصة مع ارتفاع موجة الحر، فالمواطنون يلجأون إلى شراء البوظة أو المشروبات الباردة لـ"تبرّد" على قلوبهم قليلاً، من دون التفكير بأسعارها المرتفعة، ففي هذا الصيف الساخن لا مفر من شراء أحد أصنافها وأن كانوا على قناعة أنها قد لا تكون أفضل الخيارات في ظل التلاعب بمواصفاتها، لكنه حكم الشوب "القوي" كما يقال.

هذا التاجر الجديد على مهنة التجارة قياساً بعمره قال لـ"فينكس" عن تجارة الشوب المربحة: أضفت براداً لبيع البوظة ووضعته على الرصيف قبالة المحل مع آلة لبيع المشروبات الباردة، بعد أن لحظت أن تجارة بيع البوظة والمشروبات الباردة في موسم الصيف مربحة للغاية، ويعتمد عليها في زيادة أرباحه"، مضيفاً أن أرباحه تتجاوز في اليوم الواحد من بيع المثلجات مائة ألف ليرة، بينما أرباحه في المواد الأخرى قليلة في ظل ضعف القوى الشرائية للمواطنين، الذين لا يمكنهم التخلي عن شراء المشروبات الباردة أو البوظة في هذا الجو الحار.
ظاهرة جديدة..؟!
مكاسب تجارة "الشوب" ظهرت جلياً عبر توجه محلات كثيرة في مدينة حلب إلى بيع المثلجات عبر وضع براد لبيع البوظة أو المشروبات الباردة أمام المحلات أو على مقربة منها مع أن اختصاص عملها قد يكون مختلف كلياً، في ظاهرة جديدة نسبياً وقد تكون مخالفة بالوقت ذاته، فلا تستغرب عند التجوال في شوارع حلب أن تجد محل يبع المكياجات أو الإكسسوار النسائي يبيع هذه المنتجات كونها تدر أرباحاً معقولة، وهذا ما نجده مثلاً في منطقة الجميلية التي قد تجد على امتداد شارعها التجاري المعروف عشرات البرادات التي تبيع هذه المنتجات، وبجوارها يقف المواطنين يشترون من أصنافها المختلفة حتى لو كانت بمواصفات غير جيدة، فالمهم إرواء ظمئهم من لهيب الحار.
وبالمقابل نجد بعض الباعة الجوالين قد اعتمد على خيار بيع العصير الطبيعي من برتقال أو رمان على بساطات جوالة يركنها قرب ظل شجرة أو مكان ظليل بجوار حائط ما بعيداً عن حرارة الشمس الملتهبة، حيث يقوم البائع بعصر كمية من حبات البرتقال أو الرمان أمام الزبون من دون أن يخلو الأمر من بعض الغش عبر الإكثار من "البوظ" على حساب المنتج الرئيسي من الفواكه المرتفعة السعر حتى "توفي" مع من اعتمد على هذا الخيار لتحصيل قوة يومه، إذا تباع كاسة البرتقال أو الرمان متوسطة الحجم بـألف ليرة، وهنا يوضح أحد الشباب الذي عرف عنه نفسه باسم مصطفى لجؤه إلى العمل على بسطة جولة لبيع العصائر الطبيعية: لا تحتاج هذه المهنة إلى رأسمال كبير، فقط بضعة كيلو غرامات من البرتقال وعدد من كاسات البلاستيك وقطعة بوظ كبيرة مع وقوف ساعات طويلة، لكنها قد تؤمن ربحاً جيداً يوفر بعض مستلزمات عائلتي"، فهذه الحرب حرمتني من تأمين فرص عمل مناسبة.. فكان بيع العصائر الطبيعية وسيلتي للعيش وعموماً وتبقى أفضل من مهن غيرها والأهم تقيني حاجة الناس.
بوظة "الأكابرية"...؟!
شراء المثلجات أيضاً قد تكون سبباً للتميز بين أصحاب الجيوب الممتلئة والجيوب المحدودة الدخل، الذين لا يستطيعون إلا ما ندر قصد محلات البوظة "الأكابرية" المعروفة بحلب، بسبب ارتفاع أسعار منتجاتها المرهونة طبعاً بجودة ونوعية أفضل، وهنا ندخل في جولتنا على أحد أهم محلات الحلويات والبوظة الشهيرة في منطقة الجميلية وسط إقبال كبير على شراء منتجاتها وتحديداً البوظة وشراب اللوز الحلو الشهيرة به مدينة الشهباء من دون أن يمنع الغلاء من التوجه إليها حتى من أصحاب الدخل المحدود، حيث ينفى المشرف على أحد فروع حلويات "سلورة" المعروفة ناصر الأغا أن أسعار البوظة لديهم أقل سعراً من محلات أخرى، بقوله: نعمل بقاعدة البيع الكثير بأسعار مقبولة أفضل من البيع بسعر مرتفع وبكميات محدودة، فكلما كان العرض أكبر تم تخفيض أسعار البوظة المطلوبة حالياً كونه موسمها النشط وخاصة في ظل هذا الصيف الحار، لكن بالمقابل يراعى عند تسعير منتجات البوظة ارتفاع تكاليف السلع الداخلة في صناعة البوظة التي كانت سبباً في غلائها مقارنة بالعام الفائت".
وأضاف: خفضنا أسعار البوظة مقارنة بالمحلات الأخرى من ذات السوية مع المحافظة على جودتها ونوعيتها حرصاً على سمعة المحل المعروفة في مدينة حلب، رافضاً تحديد أرباح المحل باليوم الواحد، لكنه اكتفى بالقول أنها تصل إلى مئات الألوف يومياً، بيد أن حجم الاقبال والطلب الشديد على منتجات هذا المحل يظهر أن المربح يتجاوز المليون في اليوم الواحد كحد أدنى.
تراث ورنة كاسة..؟!
لا يقتصر موسم البوظة على المثلجات والعصائر الملونة وأن كانت المنكهات تغطى عليها على نحو يثير الشكوك بخصوص ضررها على صحة المواطن وتحديداً الأطفال، لكن ضيق الحال يجبر البعض على شراءها وخاصة أن عصائر الكوكتيل أصبحت من الرفاهيات لبعض المواطنين وتقتصر على ميسوري الحال نسبياً، لذا لجأ المواطنون الراغبون في إرواء ظمئهم إلى المشروبات الشعبية التقليدية كالتمر الهندي والعرقسوس، اللذين لم يعد يقتصر بيعهما على شهر رمضان الكريم، إذ ينتشر باعتها بأزيائهم الشعبية المحببة في أحياء مدينة حلب لتعلو رنات كاسات هذه المشروبات أصداء المكان في دعوة صريحة للمواطنين للشراء، ليبلوا فعلاً النداء وتذوق أحد المشروبات التي ارتفعت سعرها كغيرها من المنتجات الأخرى، وهو ما يؤكده لـ"فينكس" نضال الطيب، الذي امتهن بيع هذه المشروبات الشعبية على أصولها منذ فترة طويلة فيقول: رغم وجود طلب على شراء هذه المنتجات الشعبية الباردة لكي يروي المارة ظمأهم بسبب حر الصيف لكن انخفضت نسبة الشراء بسبب ضعف قوة الشرائية للمواطن وموجة الغلاء التي شملت كل السلع، فقبل كانت تباع كاسة التمر الهندي الوسط بـ100 ليرة واليوم بـ700 ليرة، فمثلاً كان بمقدوري بعد انتهاء فترة العمل شراء فروج وأخذه بيدي لعائلتي والعيش مع ذلك مرتاحين، واليوم لا زال بمقدوري شراء الفروج رغم سعره المرتفع لكن ذلك سيكون على حساب أمور المعيشة الأخرى، فالغلاء فرض كلمته على هذه المهنة أيضا ًكغيرها من المهن، مبيناً أنه يحقق مدخول جيد من هذه المهنة وأن حصل بعض التغير عن السابق، مقدراً حجم أرباحه الصافية بقرابة 27 ألف ليرة باليوم الواحد.
وبين بائع المشروبات الشعبية التقليدية بوجه البشوش أنه ليس مجرد بائع جوال للتمر الهندي والعرقسوس، فهو قد اجتهد للحصول على ترخيص نظامي لمزاولة هذه المهنة بطريقة تراثية حماية لنفسه من فساد بعض الجهات، وبالوقت ذاته يحرص على ارتداء الزي الشعبي التقليدي مع بيع هذه المشروبات بأواني نحاسية تراثية وليس بلاستيكية كما يفعل البعض بغية إظهار الناحية السياحية لمدينة حلب والمحافظة على التراث السوري الأصيل والتعريف به وجماله.
وبصوته المحبب ورنات كاساته ذات النغم الجميل ينادي الحاج صلاح أبو عادل، الذي يعرف نفسه بأنه ملك التمر الهندي والعرقسوس في حلب الشهباء بعد خبرة طويلة يقدرها بأسلوب ضاحك بأنها "تبلغ مئتا عام نزداد شباباً" كما كتب على عدة وأدوات بيع هذه المشروبات، التي أصر عند معرفته أننا من الصحافة على تذوق من مشروباته التي يصنعها يدوياً ويحافظ على طمعها المعروف لنحكم بأنفسنا وخاصة أنه يعمل في هذه المهنة منذ وقت طويل، ليؤكد كغيره من الباعة اختلاف أسعار هذه المنتجات عن السابق بحكم الغلاء واضطرار المواطن إلى التقليل من شراءها رغم موجة الحر الشديدة، لافتاً إلى أن يوميته من بيع هذه المشروبات لا تزيد عن 14 ألف ليرة في ظل ارتفاع تكاليف صناعة هذه المشروبات وانخفاض الطلب بسبب الغلاء وضعف القوة الشرائية للمواطن.
عدم موثوقية
موجة الحر الشديدة ساهمت إلى حد كبير في زيادة أرباح المشتغلين ببيع المنتجات الباردة على اختلاف أنواعها، لكن بعض المواطنين رفضوا فكرة الشراء من محلات البوظة أو الباعة الجوالين حتى مع حرارة الشمس الكاوية، لعدم الموثوقية بطريقة إعداد هذه المنتجات في معامل ومحال البوظة على نحو يؤثر على صحة أفراد الأسرة وتحديداً الأطفال، حيث تؤكد السيدة الخمسينية شروق كاوية أنها تفضل إعداد البوظة منزلياً حتى لو أخذ ذلك مجهود منها لكنها تبقى أقل تكلفة وأضمن صحياً من البوظة المصنوعة في المعامل والمحال المشكوك في جودتها وطريقة صنعها، لكن المشكلة برأيها هو عدم وجود كهرباء بسبب التقنين القاسي المتبع في مدينة حلب بحيث إذا أرادت سيدات البيوت إعداد هذه المنتجات تكون ليوم واحد كيلا لا تتضرر وتذوب فيذهب تعب صنعها سدى.
لكن الرجل الأربعيني محمد الحلاق لا يجد مشكلة في الشراء من محلات البوظة المعروفة وتناولها مع عائلته بالبيت حتى لو كان وضع الكهرباء تعيس، فالأمبير على غلائه يحفظ برودتها لفترة معقولة، فهي وأن كانت مرتفعة السعر لكنها تبقى مضمونة بالطعم والنوعية كون هذه المحلات حريصة على سمعتها وليس كغيرها من المحلات التي تتاجر بسلامة المواطنين عبر وضع منتجات منخفضة السعر مشكوك في صحتها وصلاحيتها للأكل.
مخالفات جسيمة وتسويات
رواج اقتصاد الشوب في موسمه المعتاد قد يكون أمر مألوف وأن زاد هذا العام بسبب ارتفاع موجة الحر لكن غير المعتاد والمقبول غياب الرقابة الصحية والتموينية لضبط مخالفات بعض المعامل والمحال التي تبيع هذه المنتجات، التي قد تسبب حالات تسمم تهدد صحة المواطنين وخاصة الأطفال، الذين لا تقوى أجسادهم على التلاعب بمواصفات منتجات البوظة والعصائر كرمى تحقيق بعض الأرباح الإضافية، ولمعرفة مدى التزام أصحاب محلات البوظة بمواصفات صناعها والتزام بالشروط الصحية ومعايير السلامة العامة قصدنا مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك بحلب ليؤكد لـ"فينكس" مديرها أحمد السنكري تنظيم عدد من الضبوط بحق أصحاب محلات البوظة بسبب ارتكابها مخالفات جسيمة تؤثر على صحة المواطنين، مشيراً إلى قيام محلات البوظة والمعامل بصورة مستمرة بمثل هذه التجاوزات، لذا يوجد دورية متخصصة مجهزة بكل الأدوات اللازمة لأخذ العينات من محلات البوظة والمعامل للتأكد من مطابقتها للمواصفات والتزامها بمعايير التصنيع والسلامة العامة، ودوما ما يكشف عن هذه المخالفات وينظم ضبوط بحقهم ترسل إلى القضاء، الذي يقرر العقوبة اللازمة بحق المخالفين، مشدداً أن بعض المخالفات تستحق الإغلاق لكن لا يتخذ هذا الإجراء ويعمل على تنظيم تسويات عبر دفع مبالغ مالية كبيرة، مشدداً على استمرار قيام دوريات التموين وتحديداً المتخصصة بعمليات أخذ العينات بمراقبة عمل محلات البوظة منعاً لارتكاب مخالفات تؤثر على صحة المواطنين وخاصة الأطفال.
"فينكس" حاول أيضاً الاتصال بمدير الشؤون الشؤون الصحية مراراً لكن لم نوفق في الرد على تساؤلاتنا على نحو يبرر بطريقة أو بأخرى حالة الفوضى القائمة في عمليات تصنيع البوظة وإعدادها من دون الالتزام بأبسط المعايير والشروط الصحية، فالمهم تحقيق أرباح مضاعفة في موسم الشوب من دون اكتراث بصحة المواطن وسلامته.

من الجمل أذنه..؟!
يحقق اقتصاد الشوب في كل عام أرباحاً طائلة لتجارها، تقدر بمليارات الليرات قد لا تحصل الخزينة من الجمل أذنه في ظل التهرب الضريبي وانتشار اقتصاد الظل، كون أغلب البسطات والبرادات المركونة على الأرصفة لا تدفع الضريبة وهذا معروف باعتبار حوالي 80% من الاقتصاد السوري هو اقتصاد الظل باعتراف كبار المسؤولين والباحثين الاقتصاديين، وهنا إن كنا لا ندفع صوب محاسبة البسطاء الذين يسترزقون ويجهدون لتأمين قوت يومهم فقط وليس زيادة أرصدتهم البنكية، وإنما نطلب فقط بالتوجه إلى تحصيل حق الخزينة من أصحاب المحال الكبيرة التي تربح مئات الملايين في اليوم الواحد ولا تدفع سوى جزء قليل من مستحقاتها، والأهم العمل جدياً على مراقبة تصنيع البوظة والمشروبات الباردة بصورة مستمرة وليس كل حين ومين مع التغاضي للأسف عن مخالفات بعضها لغايات في نفس مراقبي التموين و والشؤون الصحية على رغم من جسامتها وضررها البالغ على صحة المواطن وسلامته.