الموهبة هي قدرة عقلية استثنائية وهبها الخالق لقلة قليلة من الناس تستطيع من خلالها الإبداع أو الوصول بسرعة قياسية زمنية، وقد تكون الموهبة في عدة مجالات فنية أو أدبية أو علمية، والموهوب كرمه الله بالموهبة دون غيرها وهو هدية لنا، لها مستقبل بارز وأثر لامع.. فالموهوبون عناصر أساسية وركائز داعمة بها يسمو المجتمع ويتطور ولا سيما أنها ستبقى خالدة، علما أن الأكثرية الساحقة منهم من الطبقة الفقيرة، وبالتالي من المفترض توظيف كل الإمكانات للبحث عنهم وتأمين مستلزمات إبداعهم.
رعاية المواهب
ترعى منظمة طلائع البعث المواهب على مستوى المحافظات، حسب المهندس جندب دخيل، وفي حديثه لـ "فينكس" أفاد دخيل: لدي ابنة "زينب دخيل" موهوبة بالشطرنج، ففي الصف الخامس نالت بطولة فرع طرطوس بالمرتبة الأولى، وفي الصف السادس نالت البطولة على مستوى القطر، كما نالت بطولة القطر بالصف العاشر حيث حازت على فضيتين بالأولمبياد السوري بالشطرنج عامي 2017 و2019 تم تكريمها بعمر 17 عاما، والآن زينب في المركز الوطني للمتميزين.
درجة مرموقة
لم يكن الشعراء يوما بعيدين عن الواقع الاجتماعي، وبرأي الأديب يوسف خليل فإن العظماء يولدون مرة كل مئة سنة أو مرة كل ألف سنة.. وقد نلاحظ من سيرة بعضهم أنهم لا يكترثون بالمؤهلات أو الشهادات العليا والأكاديمية مهما كان نوعها ويعتبرها بعضهم مضيعة لوقته ومنهم هيرمان وهو اسباني من أصل الماني وتولستوي / روسي/ وجورج برناردشو / بريطاني/ و بعض رموزنا وصلت إلى درجة مرموقة مثل حنا مينا وكوليت خوري.
إن لم تكتشف موهبة الموهوب في وطنه مامصيره...؟ يجيب خليل: الإهمال والقتل وأن تأخذه دولة أجنبية "كسرقة" بأساليب ترغيبية حضارية.
احتضان الموهوب
ولاكتشاف الموهوبين والبحث عنهم اقترح الأديب خليل، المبادرات العائلية والشخصية في المجتمع، والإعلان في المدارس ووسائل التواصل الاجتماعي والمعارض والمهرجانات والمسابقات والمسرح إضافة إلى منح بعض الجوائز التشجيعية للأفضل، والرعاية الدائمة من قبل الجهات المعنية ولا بأس من أن يكون للموهوب ذاتيته الخاصة لدى المراكز الثقافية ومنتدياتها و لدى السلطات العليا.
وبدورها بانة إبراهيم، دكتورة في علم الاجتماع، بينت لـ "فينكس" أن الموهوب هو من لديه ملكة فكرية أو عملية أكثر من غيره وقادر على الخلق والإبداع الفكري والمادي، يتميز بتفرده عن أقرانه بالموهبة التي يمتلكها، لافتة إلى أن الموهوب يحتاج إلى أسرة ترعاه ومؤسسة ودولة تؤمن له مستلزمات الإبداع ووسائل تنمية موهبته، كما يحتاج لبيئة حاضنة له تتعامل وموهبته على أنها حالة فكرية وتطبيقية يمكن الاستفادة منها وتعمل على تنميتها على أن يوضع الموهوب في مجال موهبته ذاتها وإلا ستخمد الموهبة مع الوقت.
نابغ سوري
وفيما يلي نورد مثالا يحفز على الاهتمام بكل نابغ وموهوب... الفنان الأديب السوري "فواز الحاتم" الذي رأى النور في بلدة "خبب" غربي منطقة اللجاة بحوران في محافظة درعا، وكان الحاتم يتيما.
وفي العشرينات قدمت إلى سورية كاتبة وباحثة فرنسية من أسرة نبيلة تدعى "مريم هاري" فلفت انتباهها الحاتم وتبنته وهو بعمر السنتين وذلك عام 1921 عندما رأت عليه علامات الذكاء والنبوغ، هاجر معها يافعا يتيما إلى باريس، فأتم دراسته الثانوية والجامعية وتعلم الآداب.
كاد الحاتم أن يصبح دبلوماسيا أو كاتبا صحفيا كوالدته، لكن موهبته الفنية التي صقلتها رهافة حسه وشاعريته وأجواء باريس في فترة ما بين الحربين البالغة الثراء قادته إلى دراسة الفنون الجميلة، حيث كان يرافق الفرنسيين ليرسم من الجو مخططات للمدن الفرنسية والمواقع العسكرية لمواجهة القوات الألمانية على أرض فرنسا.
عبر الفنان السوري الفرنسي عن شخصيته تعبيرا ذاتيا، فكان فنه للتأليف الزخرفي والطبيعة الميتة حيث شغف بتزاوج الألوان والنور، وأضحى فنان سورية الصغير يواصل الأسفار سعيا لخلق مدرسة جديدة.
أعظم فنان
شارك الفنان الحاتم بأعظم لوحاته في معرض افريقيا، حيث شارك بلوحات جرحى الحرب ورسم وجوها تخلد الفن، وفي أوائل الخمسينيات طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من فرنسا أعظم فنان لديها ليقرر قيم اللوحات الموجودة في متحفها الفني بمدينة واشنطن ويكشف عن أصولها وتواريخها، فوقع اختيار فرنسا على فواز الحاتم من بين آلاف الفنانين المعروفين فكانت له الفرصة والخبرة بعد أن جال في المقاطعات الأمريكية تلك الجولة التي أكسبته خبرة إنسانية خصبة، فتمكن من الرسم والعرض وإلقاء المحاضرات وترك في الولايات المتحدة عددا من اللوحات الفنية الكافية لإقامة معرض جديد، وفي عام1952 تهافت الآلاف من الفرنسيين على فن الحاتم عندما نظم الرئيس الفرنسي آنذاك معرضا، فأقبل الناس على لوحاته واقتنوا جميعها وتخطى بعضها البحار نحو القارة الأمريكية، كما تصدرت لوحات الحاتم معرض وزير التربية الفرنسي في دار الثقافة ولا سيما لوحة الممثلة الشهيرة /جان بواتلي/ الكوميدية الفرنسية.
مشاركة في الصحافة
وأشارت الباحثة الفرنسية/ كريستين جليني/ في مجلة موسوعة الفن في عددها الـ 70 عام 1961 مقالا عن الفنان السوري الحاتم حيث بينت أنه ابتعد عن ضجيج الصالونات ورفض أن يعلق لوحاته على الجدران وأن يشترك بتظاهرة الإعلام.
وساهم الحاتم في ميدان الصحافة، وبناء على رغبة جريدة جورنال الفرنسية نشر ذكريات حداثته في سورية، ومنذ الحرب العالمية الثانية يقوم بتأمين المقال الافتتاحي في جريدة /هاوي الفن/ وفي محطة الإذاعة، وللحاتم مقال بعنوان "ميلاد الشرق".
لم ير النور..!
وكشف الفنان السوري لأحمد عبد الكريم سفير سورية السابق في باريس عن مباحثات تمت بينه وبين بعض المسؤولين من وزارة الخارجية السورية و وزارة الثقافة وذلك لتخصيص قاعة للصور في المتحف الوطني وطلب الحاتم أن تخصص له زاوية خاصة باسمه، لكن المشروع لم ير النور...!
كان لوالدته / مريم هاري/ كتابين من تأليفها الأول بعنوان "الأمير الصغير" تتحدث فيه بلغة فرنسية جاذبة قصة الطفل اليتيم "الحاتم" يوم تعرفت عليه في مسقط رأسه وتبنته، والكتاب الثاني بعنوان "دمشق حديقة الإسلام الغناء" حيث وصفت فيه مدينة دمشق وجماهيرها.
تلبية دعوة وطنه
كانت مواهب الحاتم خلاقة ومستمرة، فهو من الرسامين الأوائل الذين يعملون بصمت، مبدعين أعمالا رفيعة المستوى لأعلى درجة، كما كان أستاذ الفن وبكل جدارة، حمل طابع الحداثة وبكل صدق.... وبعد هذه الخبرة عاش الفنان السوري الحاتم عازبا منعزلا في مرسمه على ضفة نهر السين مسهما في بحوث فنية.
أمضى الحاتم ستين عاما في العمل والبحث والإطلاع، وذاع صيته بين المثقفين العرب في جميع أنحاء العالم إلى أن دعته سورية "وطنه الأم" من فرنسا عام 1953 ليخطط معرض دمشق الدولي فلبى الدعوة بكل لهفة وإخلاص وتبرع بعمله للجيش العربي السوري.
وأخيراً: يمكن القول بأن الفنان السوري فواز الحاتم شخصية نادرة ومثالا عما يختزنه وطننا الحبيب من نبوغ وإمكانيات أثرت ولا تزال تثري البلدان التي هاجرت إليها في ظروف مختلفة، فساهموا في بناء حضارتها في جميع المجالات، و هو مثال للموهبة التي قُيض لها أن ترى النور و تأخذ دورها عن طريق من اكتشفها و عمل على رعايتها و تنميتها.

