هل هناك قرار حكومي بتهميش القنوات الإعلاميّة الرّسميّة عن ممارسة دورها في الحرب الدّائرة على الأرض السّوريّة؟
لطالما راودني هذا السّؤال, ليس منذ بداية الحرب الأخيرة فقط, و إنّما منذ حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري, فمن يتابع الشّأن السّياسي الإقليمي لن يجد صعوبةً في اكتشاف هذا التّقصير الشّنيع في أداء الإعلام الرّسمي,
سمعنا من الكثير من الإعلاميين السّوريين أنّ السّبب هو ليس في مهنيّتهم, و إنّما من قطبة مخفيّة وضعها أصحاب القرار في وزارة الإعلام, و نحن هنا لا نعرف من هو صاحب القرار في الجسد الإعلامي السّوري إذ يقول الكثيرون أنّه حتّى وزير الإعلام لا حول له و لا قوّة, أو بتعبير آخر (لاااا يمون)!
أتت هذه الحرب لتُسقط ورقة التّوت الأخيرة عن إعلامنا الرّسمي, و انساق معظم السّوريين إلى قنوات إعلاميّة عربيّة و أجنبيّة, و كان لهذه القنوات الأثر الأكبر في تشكيل الرّأي الدّاخلي السّوري خصوصاً و العربي عموماً برغم الكمّ الهائل من الأكاذيب الّتي كانت تبثّها هذه القنوات.
يشكّل وزير الإعلام رأس الهرم الإعلامي, و يمثّل في تصريحاته ناطقاً رسميّاً لتوجّهات الحكومة, و يلعب دوراً إعلاميّاً بارزاً كون جميع وسائل الإعلام العربيّة و الأجنبيّة تتوجّه إليه أوّلاً بسبب عدم وجود شخصيّات إعلاميّة يُعتدّ بها و لا محللين سياسيين (نجوم) يثق بهم السّوريين و غير السّوريين, و تكرّست هذه الحالة بعد اغتيال الحريري و بعد سلسلة الإغتيالات الّتي طالت مسؤولين و سياسيين لبنانيين معارضين للوجود السّوري في لبنان.
من منّا لا يذكر غباء وزير الإعلام الأسبق الدّكتور محسن بلال عندما استغرب على قناة الجديد أن يهاجم أحد نوّاب المستقبل (وليد عيدو) سوريّا علماً أنّ النّائب نفسه كان قد أهداه (الكرافات) الّتي يلبسها في الحلقة نفسها؟!
أستطيع أن أقول أنّه ولولا وجود قناة المنار و قناة ال nbn, و لولا وجود بعض السّياسيين و الإعلاميين اللبنانيين (النّجوم) لكانت صورتنا أكثر بشاعةً بكثير ممّا حاول أعداؤنا أن يكرّسوها,
الوزير سبايدرمان, مارس في وزارته كلّ شيء ما عدا الإعلام, و استعان بمراهق استقدمه من مصر ليعطي دروساً في الإعلام و في حبّ الوطن, و لم يترك بصمة إعلاميّة واحدة طيلة فترة تولّيه الوزارة غير لحيته البيضاء المشذّبة بعناية و المحنجرة بإتقان, بل أكثر من ذلك, مهما كنت إعلاميّاً بارزاً فلن تستطيع أن تأخذ منه لا حقّاً و لا باطلاً ففي كلّ مقابلاته الإعلاميّة يُشعرك بأنّك في إجتماع حزبي, يُملي عليك النّصائح, و يتحفك بالنّظريّات, و يغلق عليك الطّريق في أي محاولة لأن تأخذ منه معلومة قيّمة و
ميزته الوحيدة أنّه كان يُكثر من إطلالاته التّلفزيونيّة, و لكن كانت دائماً محصّلاتها تساوي الصّفر, و أذكر هنا أنّ أحد المذيعين كان يقول له أثناء الحلقة (معلّم) في تكريس واضح لمنهجيّة تعامله مع الإعلاميين بأنّه (معلّمهم) و منهجيّة تعامل بعض الإعلاميين مع وزيرهم و كأنّهم يعملون لحسابه و ليس للوطن.
الوزير الحالي أتى من ضمن الجسد الإعلامي, و البعض استبشر خيراً لأنّه (آدمي), و قلنا عسى أن يحطّم هذه الصّورة النّمطيّة للإعلام الرّسمي, خاصّةً و أنّ وجود هذا العدد الكبير من وسائل الإعلام غير السوريّة و على مدى أكثر من خمس سنوات ستعطي أيّ مسؤول عن الإعلام فرصةً ذهبيّةً في تطوير أدواته نتيجة الإحتكاك بها, و لكن, ذهبت أمانينا أدراج الرّياح, فالوزير الحالي و على عكس سلفه, لم نرَه حتّى اليوم في مقابلة واحدة و لا حتّى تصريح, و قلنا لا بأس, قد يكون الرّجل هو رجل أفعال لا أقوال, و الحقيقة أنّنا لم نلمس بعدُ تلك الأفعال (نُمِيَ إليّ أنّ سيادته غير متحدّث, و لا يمتلك ناصية الكلام).
منذ يومين أو أكثر, ذكر أحد الإعلاميين المحترمين أنّ عمليّة إزالة الباصات المعطّلة من تحت جسر الرّئيس جاءت بأوامر مباشرة من قائد الوطن, في إشارة منه على أنّ هذا القرار التّافه لا يجب أن يتّخذه رئيس, و لكن و كما معظم مسؤولينا المحترمين, لا أحد يجرؤ على المبادرة, و الجميع ينتظر التّوجيهات و الأوامر, و الإعلام ليس بعيداً عن هذه العقليّة أبداً, فأنا لا أعتقد أنّه لو قرّر وزير الإعلام أن يُغطّي معارك حلب المصيريّة, أو أن يسمح للوسائل الإعلاميّة الإلكترونيّة أو غيرها أن تفعل, فستفعل, و ستُحدث فارقاً معنويّاً هائلاً في نفوس السّوريين التّواقين لأيّ معلومة عن عاصمتهم الإقتصاديّة.
هل تغطية معارك الشّمال بحاجة لقرار سياسي؟
هل ينتظر الوزير تعليمات (من فوق) لينقل لنا ما يحدث في حلب؟
هامش:
الإعلام لعبة يمارسها الأذكياء بإتقان, و لا يحقّ للأغبياء ممارستها
الإعلام قرار مسؤول, و ليس تنفيذ توجيهات
الإعلام حقيقة جريئة مهما كانت مرّة
الإعلام واجهة البلد و يجب أن تكون بأبهى حُلّة
الإعلام جيش رديف في الحروب
عرين العروبة بيتٌ حرام...

