ننقل أدناه مقتطفات من كتاب "سورية الخمسينات- الديمقراطية المغدورة" الصادر عن دار نون4, لمؤلفه الكاتب عدنان بدر حلو.
ومنذ أن استلمت الحكومة الجيش, بدأت معركة سياسية طاحنة بين المعارضة والسلطة حول موضوع تسليح الجيش وزيادة عدده وعديده, فقد كانت القوى الوطنية السورية تشعر أن معركة فلسطين على الأبواب, وأنها معركة مصيرية بالنسبة إلى سورية على نحو خاص والبلاد العربية عموماً, وأنه لا بد من الإسراع في تسليح الجيش وإعداده للمعركة قبل فوات الأوان.
يشير خالد العظم إلى ذلك بقوله:
"أذكر أني كنت في 1948 وزيراً مفوضاً في باريس, أتلقى من الحكومة بدمشق البرقية تلو البرقية بلزوم تدارك الأسلحة والذخيرة, لكن بعد أن حلت الكارثة, واشتبكت الجيوش بعضها مع بعض, وبعد أن حظرت الدول تصدير الأسلحة إلى البلاد العربية, وكان الأحرى أن تدركها الحماسة منذ 1946, حينما كنا قادرين على شراء الأسلحة من أي بلد أوربي أو أمريكي, دون قيد أو شرط.
لقد بدأ تسليح الجيش السوري عملياً منذ أول صفقة عقدتها بنفسي مع الحكومة الإفرنسية في كانون الأول 1948, فوصل السلاح إلينا على بارجة تخفرها مدرعة إفرنسية في شهر شباط 1949". (مذكرات خالد العظم. المجلد الأول, ص 111).
وقد برز أكرم الحوراني في هذه المعركة كأشد النواب حماسة لدعم الجيش وتسليحه وإعداده للمعركة, وأكثرهم استشعاراً للخطر الصهيوني في فلسطين. ويشير في مذكراته إلى هذا الأمر عندما يذكر عن نشاطه في خريف 1945, ما يلي:
"آثرت البقاء في دمشق, لأظل على اتصال بضباط الجيش المشغولين بإعادة تنظيم جيش البلاد بهمة ونشاط ونزاهة. كانت فرحتهم كبيرة جداً, وكان حماسهم عظيماً جداً, إذ إنهم كانوا يشعرون لأول مرة باسترداد كرامتهم وحريتهم في العمل وخلاصهم من لعنة استخدامهم في جيش أجنبي, و هاهم الآن يعملون في خدمة وطنهم مالكين حريتهم رافعين رؤوسهم. كنت أقضي أكثر الليالي ساهراً مع هؤلاء الضباط, نبحث في شؤون الجيش, ونتداول في الآمال التي نعقدها على دوره في المستقبل لإنقاذ فلسطين". (الحوراني, ص444).
وكان قد طرح في جلسة 15 أيلول 1945 المخصصة لمناقشة قانون استلام الجيش خطة متكاملة لتطوير ذلك الجيش, إذ قال:
"إن الاعتمادات المرصدة للجيش السوري تدل دلالة واضحة على أن في نية الحكومة إبقاء الجيش السوري على حالته الحاضرة, كما أن بيان الوزارة, الذي ناقشناه في هذا المجلس يدل من ناحية أخرى على أن الحكومة لا ترى وجهاً لإصلاح هذا الجيش إلا تجهيزه بالمعدات, والواقع أن إبقاء الجيش على حالته الراهنة أمر مضر بالمصلحة القومية ضرراً فاحشاً, إذ لا بد من إجراء إصلاحات عميقة وصالحة كي يصبح هذا الجيش جديراً بحماية أمن البلاد الداخلي والخارجي. ولا بد لنا قبل أن نتطرق إلى الأساليب الواجب اتباعها لإصلاحه أن نقول إن الجيش السوري الحالي قد أنشأه الفرنسيون, لا ليكون جيشاً يحمي البلاد ومصالح الأمة, إنما كانت غايتهم أن يقمعوا بوساطته كل حركة وطنية أو قومية تقوم في هذه البلاد, وقد اتبعوا في أمر تشكيله ما اتبعوه في تطبيق المبادئ المكيافيلية سواء في السياسة أم في الاجتماع, فألفوه فرقاً على أساس النعرات الطائفية والعنصرية, فكانت هناك قوى درزية وإسماعيلية وعلوية وأخرى شركسية إلى آخر ما هنالك, ولكن لا يمكن أن ننكر بأن كل ما أراد الفرنسيون تطبيقه في هذه البلاد لم ينجح, ولم يكتب له التوفيق, لأن هناك عناصر ممتازة جداً بين الضباط الموجودين في الجيش السوري الحالي, ومن الجنود أيضاً, وأريد أن أشير هنا إلى أن بحثي هذا يرمي إلى تغيير الأساليب والوسائل التي اتبعها الفرنسيون في تأليف هذا الجيش. من المعلوم أن قيمة الجيوش من الوجهة العسكرية منوطة بثلاثة أمور:
الاول- درجة ثقافة الجنود وحالتهم الروحية والمعنوية وتدريبهم الصحيح.
الثاني- كفاءة القادة وقدراتهم العسكرية.
أما الثالث- فهو التجهيز الحديث بالأسلحة والعتاد.
....إلخ.
وقد أجاب وزير الدفع الوطني السيد خالد العظم: "... إن ما تفضّل به حضرة الزميل السيد أكرم الحوراني فيما يتعلق بالمدرسة الحربية, فإن نظاماً جديداً سيطبق فيها, وهو يتضمن التعليم الوطني الصحيح, ويتلاءم ومصلحة البلاد. وسنعنى أيضاً بجلب أخصائيين فنيين ومدرسين من البلاد العربية الشقيقة, أي من مصر والعراق, وإذا اقتضى الامر أخذنا معلمين من الفئة التي ذكرها حضرة الزميل, أي التي ليس لها مطامع في بلادنا, وسنرسل بعثات الى الخارج أيضاً للتدرب والتعلم.
الحوراني: والخدمة الاجبارية؟
العظم: يمكن أن تُقرر فيما بعد". (الحوراني: ص 439). 
كما عاد (أكرم الحوراني) إلى الموضوع نفسه في مرات عديدة, منها خلال مناقشته للبيان الوزاري لحكومة سعد الله الجابري في الرابع والعشرين من تشرين الثاني 1945, فقال في موضوع الجيش ما يلي:
"أنشأ الفرنسيون الجيش السوري على أساس طائفي ومذهبي وعنصري وقبلي... فإذا أردنا إنشاء جيش وطني, فما علينا إلا تطبيق الخدمة الاجبارية. لقد ذكرت مراراً أن مقدرة الجيش الفنية تتوقف على مقدرة ضباطه وقادته وكفاءتهم العسكرية وخبرتهم ومزاياهم الخلقية, وأن المصنع الوحيد –كما تعلمون- للضباط والقادة هو المدرسة الحربية. فأنا أتساءل عن الاصلاح الذي أجرته الحكومة للمدرسة العسكرية... أقول بكل تأكيد, إن هذه المدرسة بقيت على حالها كما كانت في السابق في عهد الفرنسيين... أما قضية التجهيزات, فقد وعد البيان الوزاري بأحدث الأسلحة والمهمات, وقد سمعنا هذا الوعد في السابق, ولكن مع الأسف لم يجهز جيشنا حتى الآن بهذه الأسلحة الحديثة. و لا أدري ما هي الأسباب: أهي موانع داخلية أم خارجية؟ وإنني أسأل الحكومة, وأقول: إذا امتنعت إحدى الدول عن بيعنا السلاح اللازم, فلماذا لا نشتريه من دولة أخرى؟". (الحوراني: 450).
سيتضح لنا لاحقاً أن ثمة شخصيات سياسية هامة في النخب التي تسلمت زمام الأمور بعد الاستقلال كانت غير جادة, بل غير راغبة في تقوية الجيش. ولم يكن هذا الموقف ناجماً فقط عن تأثير النفوذ الاستعماري البريطاني والإفرنسي على هذه النخب (وكان هذا حقيقياً بالفعل), بل إضافة إلى ذلك كانت تلك النخب, التي تعتمد على نفوذها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي في مدن البلاد الرئيسية كمادة أساس لبناء سلطتها السياسية... كانت ترى أن تقوية الجيش ودعمه بالإمكانات البشرية والمادية يخلق أساساً لمؤسسة قوية تنتمي اجتماعياً إلى شرائح طبقية أقل شأناً! (أبناء الريف والطبقات المتوسطة والشعبية) تشكل خطراً حقيقياً على سلطة تلك النخب. وهذا بالفعل ما أكدته الأحداث والأيام, فكان هذا الأمر معطى أساسياً في النزاع الدائم بين حزبي تلك النخبة (الوطني والشعب) وبين المؤسسة العسكرية على مدى السنوات العشر أو الخمس عشرة التي أعقبت الاستقلال.
أكثر من ذلك, يعيد خالد العظم بعض حماسة حزب الشعب للاتحاد مع العراق إلى هذا النزاع, حين يقول: "وكان هناك عامل آخر حمل رشدي الكيخيا على التزام جانب الاتحاد (مع العراق), وهو أن سورية أصبحت منذ الانقلاب الأول تحت مشيئة الجيش. فالجيش بما يملكه من قوى, بسط نفوذه على الدولة, فأمست الأمور لا تسير إلا وفق ما يريده رؤساء أركانه. وقد اعتقد (رشدي) الكيخيا وجماعته, أنهم إذا تم لهم ضم سورية إلى العراق, يزول نفوذ أركان الجيش السوري, ويذوب أمام قوة الجيش العراقي". (خالد العظم. المجلد الثاني. ص218).
رابعاً- التجديد للقوتلي:
منذ أن ملأ السيد شكري القوتلي فراغ الزعامة في قيادة الكتلة الوطنية, إثر فرار قادتها إلى العراق في أعقاب اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر عام 1940, بدأت تظهر على مواقفه وسياساته سمات الطموح إلى الاستئثار بدور القائد الأول في "الكتلة" وفي العمل الوطني بصورة عامة, فمن خلال قيادته لـ"الكتلة" في تلك الفترة, تبوأ القوتلي زعامة الحركة الوطنية في سورية كلها. وعندما عاد القادة الاخرون من منفاهم الطوعي, طلع على الناس بشعار جديد يرتكز على "وحدة الصف" و"نبذ الحزبية"! وقد خاض على أساسه انتخابات 1943, قاطعاً على زعماء الكتلة الاخرين طريق استرداد الزعامة الاولى في البلاد من خلال استعادة مواقعهم القيادية التنظيمية في "الكتلة". وفي هذا المجال يقول خالد العظم:
"لكن رئيس الجمهورية ظلّ حتى عام 1947 مصراً على رأيه في عدم تأليف حزب يضم جماعة الكتلة الوطنية ومن آزرهم فيما بعد, ولم يكن سبب عناد القوتلي ناشئاً عن سبب معقول, بل كان مردوداً إلى حبه تفريق الكلمة بين البارزين في الميدان السياسي, وإلى تخوفه من أن تدور الدائرة عليه, إذا توحدت القلوب, واجتمعت الكلمة. ولذلك عكف طوال مدة رئاسته على ايجاد التفرقة بين كل من الجابري والخوري والحفار ومردم وغيرهم, ولم أنج من هذا الأسلوب, وقد نجح القوتلي فيما رمى إليه, وابتعد هؤلاء بعضهم عن بعض, فتوفى الجابري وفي نفسه مرارة, وبلغ الحقد لدى الخوري مبلغاً حمله على مناصرة حسني الزعيم, أما الحفار ومردم فقد ابتعدا عنه غاضبين. ولم يدرك القوتلي أن اقصاء تلك الشخصيات عنه وإبعادهم الواحد تلو الآخر عن الحكم يفقده دعامات زعامته, ويجعله وحيداً ومعرضاً للانهيار بسهولة, بعكس ما لو كانوا محيطين به, يدفعون عنه الهجمات, ويصدونها بصدورهم متحملين مسؤوليات عثرات الحكم دونه.
ولكنه, أصلح الله حاله, كان يستأثر برأيه, ويريد فرضه على الكبير والصغير, ويتدخل في شتى الشؤون, ولا يترفع عن التوسط لتعيين جلواذ أو كاتب. ولو أنه قصر تدخلاته على شؤون البلاد الأساسية, وأغلق بابه بوجه المنافقين والمستغلين اسمه, وترك للوزراء تسيير سائر الأمور على مسؤوليتهم الخاصة, لتجنب النقمة, التي أمست إجماعية ضده في آواخر حكمه, ثم تجلت عند حدوث انقلاب آذار 1949 في انصراف جميع الناس عنه, فلم يرتفع صوت بالدفاع عنه, لاسراً و لا علناً, حتى الذين ترعرعوا في حضنه أيام حكمه, ونالوا من عطفه وماله ما لا يحصى". (خالد العظم, المجلد الاول ص278).
ثم يعود العظم الى تقديم نموذج عن أسلوب القوتلي هذا عند حديثه عن سعي اثنين وخمسين نائباً لتغيير حكومة فارس الخوري بعد عدوان التاسع والعشرين من أيار 1945, وما حمّلها النواب من مسؤوليات تجاه الفشل في الاستعداد لمواجهة هذا العدوان, الذي كان متوقعاً, فيقول:
"ولم تلاق تشبثاتنا ارتياح رئيس الجمهورية, الذي ما اعتاد على تغيير الحكومات بناء على رغبة النواب, وصعب عليه أن ينزل عند طلبهم, وأن يعين رئيساً للوزارة ووزراء على غير إرادته, فسعى جهده لحملنا على الرجوع عن قرارنا. ولما يئس, عمد إلى تفرقة الكلمة بين كتلة النواب, فلم يفلح أيضاً".
وبعد أن يسرد تفصيلات المناورات بين الرئاسة والنواب, الذين توصلوا في النهاية إلى تشكيل وزارة جديدة برئاسة الخوري, إنما بتشكيلة تضم أبرز نواب الكتلة المشار إليها, يتحدث العظم عما جرى بعد ذلك, فيقول:
"فضّت الدورة, وذهب النواب إلى مناطقهم, بعد أن قامت أكثريتهم بزيارة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراة معلنة تأييدها للوزارة ورغبتها في تسهيل أعمالها وعدم إقالة العثرات في سبيلها.
وأول إسفين دقه رئيس الجمهورية في أساس هيكل الوزارة لزعزعته, كان حمله السيد لطفي الحفار على الاستقالة, ثم حمل السيد صبري العسلي على التخلي عن منصبه, ولم تثمر الجهود التي بذلناها لدى هاتين الشخصيتين لإقناعهما بعدم صواب الاستخذاء أمام رغبات الرئيس, فاضطر السيد الخوري للاستغناء عنهما. واقترح عدة أشخاص لتولي وزارتي الداخلية والعدلية, لكن السيد القوتلي كان يستدعي المرشحين إليه, ويوصيهم بالاعتذار, فيعودون عن الموافقة, التي كانوا أبدوها للخوري عند تكليفهم. واستمرت المهزلة مدة: فرئيس الوزراء يرشح وزراء, ورئيس الجمهورية يحملهم على الرفض, أو يعترض على من لا يسايره منهم. ثم عكف القوتلي على إنهاء الرواية, فاستدعى الوزيرين حسن جبارة وحكمت الحكيم, واستحصل على كتابين باستقالتهما, فأصبح عدد الوزراء المستقيلين أربعة, وعدد الباقين ثلاثة, وبضمنهم رئيسهم.
وكان السيد الخوري مريضاً مرضاً شديداً وخطراً, وكان مستلقياً على فراشه عندما قدم لزيارته السيد محسن البرازي, الأمين العام للقصر الجمهوري, وطلب مقابلته فوراً, فاستقبله وهو في حالة إعياء شديد, فأعلمه السيد البرازي باستقالة السيدين جبارة والحكيم, ولم يكن كتاب استقالتهما قد وصل إلى رئيس الوزارة.
وكانت مفاجأة للرئيس الخوري زادت في سوء حالته الصحية, وحمّل السيد البرازي رسالة شفهية إلى الرئيس القوتلي لائماً, بصورة خاصة, قلة ذوقه بإرساله هذا التبليغ وهو بحالته المرضية الخطرة. وقال له: "قل لرئيسك بأن الأليق أن ينتظر إما شفائي وإما موتي فيتخلص مني إذ ذاك في الحالتين!". ويعلق العظم على ذلك بالقول:
"تلك كانت المرة الأولى, التي أقدم فيها السيد القوتلي على إزاحة حكومة رئيسها طريح الفراش دون أن يحترم المرض, بل مستفيداً منه ومن ضعف المقاومة, ليصل إلى مبتغاه. والمرة الثانية كانت مع السيد سعد الله الجابري, الذي كان يتداوى في مستشفى المواساة بالإسكندرية من علة في كبده أودت بحياته قبل مضي ستة أشهر, وهكذا كان الدستور ألعوبة بيد حارسه, وقواعد الحكم الديمقراطي النيابي معطلة مهملة. وكان رئيس الجمهورية يعد البلاد السورية من جملة مخلفات المرحوم والده, فيصعب عليه أن يدّعي أحد بمشاركته في إدارتها, أو أن يقف بوجهه معارضاً عندما يريد نقل أحد عماله من مركز أو عزله أو تعيينه. وكان, بتواضع واستحياء, لا يجابه المعارض وجهاً لوجه, فيقول له: "ما شأنك بمزرعة أبي؟", بل كان يدور ويلف ويناور, ليصل إلى غرضه بالقضاء على العقبة, التي تحول بينه وبين ما يريد".
ولو كنا ندرك ما يريد, أو كان يطلعنا على غاياته, فلربما كنا نقتنع بصواب خطته. ولكن ما معنى إقصاء الجابري وتعيين فارس الخوري, ثم إقصاؤه والعودة إلى سعد الله الجابري؟ وما هو السبب في هذه التنقلات على مسرح السياسة العليا, التي لم يدرك كنهها المتفرجون أو اللاعبون أو الكورس؟ لقد ترأس الحكم في عهد القوتلي أربعة أشخاص هم: الجابري والخوري ومردم وأنا, وكان نصيب الثلاثة الاقصاء بفعل رئيس الجمهورية, لكنه لم ينجح في هذا التعسف, إلى أن انتهت فصول الرواية بإقصائي مع الرئيس نفسه على يد حسني الزعيم في 1949. وكان البادئ بالشرّ أظلم". (مذكرات خالد العظم, المجلد الأول, ص 310 و 311).
وبعد هذه الأحاديث عن أسلوب الرئيس القوتلي في التفرد بالقرار, يتحدث السيد العظم عن الخلاف الذي نشب بين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه سعد الله الجابري, الذي كان قد شكل الوزارة في 26/5/1946, فيقول:
"بدأ رئيس الجمهورية, منذ آواخر تشرين الثاني, يلح علينا بضرورة الاستقالة, مدعياً بأن مرض رئيس الوزراء لا يسمح له بتعاطي مهامه, وبأن لا أمل بقرب شفائه واستعادته قوته اللازمة لأشغال منصبه مجدداً. لكن السبب الحقيقي لرغبة السيد القوتلي في التخلص من الوزارة لم يكن مرض الجابري فحسب, بل أيضاً خلافه معه في قضية يعدها القوتلي ذات أهمية عظمى, وهي أنه كان يطمع في تجديد مدة رئاسته, وخلافاً لما يجيزه الدستور. ولم يوافقه الجابري على تعديله, فنشب الخلاف بينهما. فولى الرئيس وجهه عنه, والتفت إلى السيد جميل مردم, الذي أبدى موافقته على تعديل الدستور وتجديد انتخاب القوتلي, لقاء أن يعهد إليه برئاسة الوزارة". (العظم, المجلد الأول, ص328).
ومن جملة مناورات القوتلي لضمان تعديل الدستور بهدف تجديد رئاسته, كان قراره بإيفاد خالد العظم مفوضاً إلى باريس. ويتحدث الأخير عن ذلك بقوله: "جاءني ذات يوم السيد محسن البرازي, وبدأ بحديث تناول نواحي عديدة, فأدركت أنه يضمر غرضاً يريد الوصول إليه عن طريق ملتو, فقلت له:
"لم هذا اللف والدوران؟ إدل بما تريد قوله بدون مواربة". فضحك وقال:
"لقد بعثني رئيس الجمهورية لتكليفك بالذهاب إلى باريس مفوضاً", فأجبته بأنه يقصد إبعادي عن دمشق في الصيف القادم, حينما تجري الانتخابات, ويعرض على المجلس تعديل الدستور, ليصح تجديد انتخابه رئيساً للجمهورية".
ويضيف قائلاً للسيد البرازي: "ليس لديّ, من حيث المبدأ, مانع من القبول, لولا ما يخالجني من الشك في أن وراء غاية الرئيس الظاهرة رغبة في إقصائي عن دمشق. فقد سبق أن كلفني الرئيس بالسفر إلى نيويورك لتولي رئاسة الوفد السوري في منظمة الأمم المتحدة وتمثيل سورية في مجلس الأمن, التي هي عضو فيه, فاعتذرت منه بدعوى عدم الإلمام باللغة الانكليزية, وها هو ذا يعود اليوم إليّ بتكليف جديد يماثل الأول, من حيث أنّه يقضي عليّ بالاغتراب, ويخلي له الجو لتنفيذ خططه الشخصية. على أنني أرغب منك يا محسن, أن تنقل إلى الرئيس بأنني لا أتطلع إلى مركزه, ولا أجد في الوقت الحاضر أنسب منه لتولي مقام الرئاسة العليا, رغم بعض الخطيئات التي ظهرت منه. فإذا كان يقصد تجنب معارضتي له في تجديد انتخابه, فليطمئن بالاً". (العظم, ص335), ثم يتحدث عن استمرار المناقشات مع الرئيس نفسه, وصولاً إلى قبوله بالعرض وغيابه عن دمشق في تلك المهمة من 10 حزيران 1947 إلى 10 كانون الأول 1948.
ويشير الحوراني إلى خطة الرئيس القوتلي الرامية إلى تعديل الدستور بغرض تجديد رئاسته للجمهورية, فيقول:
"كان القوتلي مقتنعاً بضرورة تأليف حزبين من أبناء طبقته ورفاقه الكتلويين: حزب مؤيد وحزب معارض, وكان يتصور أن الحزب الوطني سوف يكون مؤيداً له بزعامة نبيه العظمة, بينما يتولى زعامة الحزب المعارض رشدي الكيخيا, الذي تفاهم معه عند تشكيل وزارة مردم على تعديل الدستور وتجديد الرئاسة, وكان القوتلي يظن بأنه سيكون الحكم بين الحزبين".
ثم يضيف قائلاً: "تكشفت لي خطة القوتلي عندما فاتحني بالأمر الدكتور محسن البرازي, أمين سر القصر الجمهوري, أثناء انعقاد دورة البرلمان في شهر نيسان 1947, فقد اجتمعت به بناء على رغبته في إحدى غرف وزارة الخارجية, والظاهر أنه أراد أن يكون هذا الاجتماع في منأى عن القصر الجمهوري. قال: لا يوجد بين أفراد الكتلة الوطنية من يصلح لرئاسة الجمهورية غير فخامة الرئيس, ولذلك أصبح تجديد رئاسته ضرورة وطنية, ثم أردف قائلاً: إذا لم يجدد للقوتلي, فسيصبح جميل مردم المرشح الوحيد, فهل تقبل أن يحل جميل مردم محل القوتلي؟".
وتكتمل الصورة لدى الحوراني عندما يقول:
"بعد انتهاء دورة المجلس, وقبل أن يذهب النواب إلى مناطقهم الانتخابية, رغب إليّ رشدي الكيخيا أن نذهب سوية للنزهة في شارع بغداد, وأثناء سيرنا قال لي إن القوتلي عازم على تعديل الدستور وتجديد الرئاسة, ولا سبيل لمعارضة هذا الموضوع, وأرى أن تظهر موافقتك على تجديد الرئاسة وتعديل الدستور, و لاسيما أن المعركة الانتخابية على الأبواب!
ذكرت للكيخيا ما جرى من بحث سابق بيني وبين محسن البرازي, واعتذرت عن الموافقة, وقلت: إنني أفضّل السقوط في الانتخابات على أن أوافق على تعديل الدستور لانتخاب القوتلي. تكشفت أمام ناظري لعبة القوتلي كاملة, وقدرت ما سوف ينتظرني من متاعب, ولكن لم يخطر في بالي أن يلجأ إلى تزوير الانتخابات في دمشق بالشكل الذي جرت فيه, وما رافقها من فضائح, وما تركت وراءها من آثار أدت بعهد القوتلي للانهيار". (الحوراني, ص637).
أما خلال الانتخابات, فقد عمد القوتلي إلى شتى الوسائل من أجل الإتيان بمجلس مطيع يحقق له حلمه بتعديل الدستور من أجل التجديد له ولاية ثانية, وقد وصف الحوراني ما دار في دمشق على الشكل التالي:
"استعان القوتلي بذكاء جميل مردم لتزوير الانتخابات, ولكنه كان تزويراً مفضوحاً, فقد سخّر أحمد الشرباتي وزير الدفاع أفراد الدرك والجيش, بعد إلباسهم اللباس المدني للعمل على إنجاح مرشحي الحكومة, لكن هذا الأسلوب لم يكن مجدياً, وظل الخطر قائماً, فما كان من الحكومة إلا أن ملأت بعض صناديق الاقتراع بأوراق مزورة, وقد أكد لي هذه الواقعة عدد من نواب دمشق أنفسهم, كما أكدها بعض المندوبين الذين يمثلون المرشحين في مراكز الاقتراع".
ثم يشير الحوراني في هذا المجال إلى عدم نجاح المرشحين البعثيين ميشيل عفلق وصلاح البيطار, وكذلك المرشح الشيوعي خالد بكداش. (الحوراني ص662 و663).
ويؤكد محمد معروف رواية التزوير هذه بقوله عند ذكر أسباب انقلاب حسني الزعيم: 
"السخط الشامل على نظام الحكم القائم, والتجديد للرئيس القوتلي, وتزوير انتخابات 1947, وإلباس بعض سرايا الجيش لباس الدرك وإنزالهم إلى دمشق لحفظ الأمن والمشاركة بتزوير الانتخابات. وكان أفراد وضباط المكتب الثاني يجوبون مراكز الاقتراع, ويحضون المنتخبين ولو بالقوة على انتخاب رجال الحكم والكتلة الوطنية. الوحيد الذي نجح منهم في الدورة الأولى هو لطفي الحفار, وأعتقد جازماً أن صبري العسلي ووزير الدفاع أحمد الشراباتي وغيرهما من رجال الحكم ما كانوا لينجحوا لولا تدخل الأجهزة الأمنية". (أيام عشتها, ص98 و99).
هامش: يرد في الكتاب المذكور (سورية الخمسينات- س70) مايلي:
أما في سورية, فالكولونيل كورنوالس البريطاني كان حلقة الاتصال بين وزارة الخارجية البريطانية والسيدين شكري القوتلي وجميل مردم, اللذين كانا يتبلغان عن طريقه تعليمات "داوننغ ستريت" (يورد الكاتب البريطاني جيمس بار, في كتابه "خط في الرمل" المذكور سابقاً أن الضابط البريطاني دبليو. أن. سترلينغ "كان ضابط ارتباط مع الرئيس القوتلي", وذلك في الصفحة 303 من الكتاب المذكور. كما يعود ليقول في مكان آخر من الكتاب نفسه (ص358) إن وثائق صودرت من شاحنة كانت تنقل أرشيفاً لبعثة الجنرال سبيرس في بيروت "كشفت بشكل واضح إن السيد محسن البرازي, السكرتير الشخصي للرئيس القوتلي, كان عميلاً بريطانياً يديره الجنرال ستيرلينغ". وسوف يرد ذكر هذا الضابط, الذي كان من زملاء الجنرال لورانس, لاحقاً عندما تعرض لمحاولة اغتيال في منزله بدمشق على يد أحد شباب "كتائب الفداء القومي").

