كان في غوطة دمشق واحد من عتاة الإقطاعيين ذوي النفوذ والسيطرة اسمه سعدي الكيلاني, باع قرية "بيت سوا" لشخص اسمه حمدي الجزائري, ثم وجد الأخير مقتولاً بعد فترة قصيرة في ظروف غامضة, فأقام الكيلاني دعوى يطالب بالوصاية على القرية, لأن أطفال القتيل قُصّر, لكن والدتهم رفضت, وصدر الحكم لصالحها من القاضي عادل العلواني, فما كان من الكيلاني إلّا أن أرسل عصابة من زلمه اغتالوا القاضي.
أهمية القضية ليست هنا مع ذلك, إنما في أنّ ذلك القاضي لم يكن يملك شروى نقير, كما يقال, وإليكم به شهادتين:
الأولى من أكرم الحوراني, الذي يقول: "و الواقع أنني لم أكن مبالغاً حين قلت إننا لم نعثر فيما تركه الشيخ عادل على ثمن كفن له".
والثانية من قاضي دمشق الشيخ علي الطنطاوي: "لم أصدق الخبر... وغدوت أسأل, فإذا الخبر صحيح, فذهبت إلى دار الفقيد أدبر أمر الجنازة, فلم أر في الدار إلّا امرأة حيرى وأطفالاً تسعة أيتاماً, وإذا القاضي الذي كان مستوراً بالتحمّل, لم يخلف بعده ما يكفي لإيصاله إلى القبر, ولقد يكون في هذا الذي أقول إيلام لأسرة الفقيد, ولكنني أقوله بإكبار وإعجاب, وأحني الرأس, الذي ما انحنى قط, أمام نعش الرجل, الذي استطاع أن يكون قاضياً نزيهاً أميناً, وهو يكابد الفقر عمره, ويتجرعه, ويصبر عليه, حتى عاش شريفاً, ومات شهيداً".
أما سجل ذلك الكيلاني, فهو التالي:
"نشأ سعدي الكيلاني وأخوته نشأة أبناء الإقطاعيين ترفاً وبذخاً ونفوذاً لدى السلطات للتحكم برقاب الفلاحين, وفي أثناء الحرب العالمية الثانية شكّل حزباً, وغرر بشباب طيبين من أبناء دمشق, فنظمهم, وجعل منهم فرقة ملحقة بالغستابو النازي, ودربهم على وسائل التجسس والتدمير والاغتيالات, ثم أصبح عميلاً لبريطانية شأنه شأن من كانوا عملاء النازية أثناء الحرب".
من كتاب "سورية الخمسينات- الديمقراطية المغدورة" ص114- الصادر عن دار نون4, لعدنان بدرحلو
تعريف بالقاضي الشهيد العلواني
ولد القاضي العلواني في مدينة حماه عام 1904 من عائله يرجع نسبها إلى الامام الحسين بن علي كرم الله وجهه. والده رئيف واسم أمه بديعه. تولى تربيته من صغره عمه الصيدلي شمس الدين العلواني المتخرج من الاستانه والذي عمل في علم الصيدله والمداواه بالإضافة لامتلاكه مطبعة, والذي قام بتحرير جريده المكنسة الاسبوعية ذات طابع فكاهي إصلاحي.
عمل عادل العلواني منذ نعومه أظفاره مع عمه شمس الدين مقتبساً عنه مبادئ العلم والخط وتصفيف الأحرف حتى غدى ذلك الطفل متعلما باهرا وذكيا في دراسته. عند قيام الحرب العالمية الأولى توقفت جريده المكنسه عن الإصدار وذلك لاستشهاد عمه شمس الدين في حرب بئر السبع حيث كان يعمل ضابطا في الجيش العثماني عام 1917.
ونظرا للضائقة المادية التي اجتاحت البلاد انذاك انكب القاضي العلواني في ريعان شبابه إلى العمل بممارسة التدريس مادة الخط العربي في دار العلم بحماه في عشرينات القرن الماضي. وتخرج من بين يديه بعض البارعين في مهنه الخط امثال عبد الرحمن الفاخوري الخطاط المشهور في حماه ومن السياسيين اكرم الحوراني الذي أصبح سياسيا.
عند نيله شهادة البكالوريا التحق القاضي العلواني بكلية الحقوق في الجامعة السورية, وتخرج منها عام 1934 وكان من بين المتخرجين معه في تلك الدفعة الشيخ علي الطنطاوي, ابحث في الموقع التالي www.jssc.org.jo/news.php?id=668&type=Amsg. أما الخريجين فهم: علي الطنطاوي (دمشق)، عادل العلواني (حماة)، عبد الكريم البرازي (حماة)، أمين أبو الشعر (الحصن- شرق الأردن)، نسيب سعيد (اللاذقية)، مصطفى الزرقا (حلب)، يونس السبعاوي (بغداد)، بدر الدين الكاتب (دمشق)، سعيد الموقع (دمشق)، فؤاد شباط (دمشق)، حنا نقارة (عكا)، بسام كرد علي (دمشق)، رشاد عيسى (دمشق)، جلال أورفه لي (بغداد)، عبد الرحمن الخضير (بغداد)، أنطون المالح (بعلبك)، يوسف حلاوة (لبنان)، إبراهيم شقير (أرمون/ لبنان)، حليم الحايك (لبنان)، نصار غلمية (إربد)، مصطفى الحواصلي (دمشق)، عبد الباسط أديب (جبلة)، إبراهيم خوري (دمشق)، محمود نشابة (طرابلس)، رفعت جبران (حلب)، كنج طيفور (حماة)، عبد الرحمن الجوخدار (دمشق)، نادر الكزبري (دمشق)، سعدي بيسو (بئر السبع)، صديق شنشل (بغداد)، عبد الجواد الحسامي (حمص)، شكري جبور (قريتين)، جمال الحسن (إربد)، محمد القشطيني (بغداد)، لطف الله اليازجي (مروينا – لبنان)، عادل الموقع (دمشق)، عبد الرحمن أبو لبن (يافا)، بديع السلطان (حماة)، صبحي حجاب (نابلس)، عبد الغني بوظو (دمشق).
(8) نلفت الانتباه الأمور التالية:
- بلغ عدد طلبة دمشق 12 طالباً من أصل أربعين خريجاً.
- عدد طلبة حماة أربعة، وحلب طالبان، وجبلة طالب واحد فقط، واللاذقية طالب أيضاً، وكذلك حمص.
- عدد الخريجين من شرقي الأردن ثلاثة، اثنان من إربد، وواحد من الحصن.
- عدد الخريجين من أهالي فلسطين أربعة، من نابلس ويافا وعكا وبئر السبع.
- عدد الطلبة من لبنان سبعة.
- من بغداد: خمسة.
- لم يرد ذكر لأي طالب مصري، ولم يدرّس في المعهد أي أستاذ مصري رغم تفوق جامعة الأزهر بالحقوق.
منذ ان تخرج القاضي العلواني من كليه الحقوق عام 1934 تقدم للعمل في مجال القضاء وقد نجح في امتحان قاضي, وعين قاضيا في مدينة اعزاز وقد جمعته صداقه ممتازه مع الشيخ محمد جذبه وهو من الشيوخ الافاضل من مدينة حلب وهو من سكان حي البياضه في مدينة حلب القديمة. عملا سويا في مدينة اعزاز لحل مشاكل وهموم الناس انذاك.
انفرد القاضي العلواني في ثلاثنيات القرن الماضي في العمل السياسي الخطابي الإسلامي حيث كان يدفع الجماهير إلى نبذ المستعمر الفرنسي, وأتته عدة تحذيرات وتنبيهات من وزارة العدل بأن يلتزم بطبيعة وظيفته وان لايشارك في تحميس الجماهير بفن الخطابة الا انه ظل ملتزما بعقيدته ولا يخاف لومه لائم. كان القاضي العلواني خطيبا فذا وذو فصاحة عالية وكانت عامة الناس واأدبائها ومفكريها تتشوق إلى سماع خطبه لما تتضمن من حلول مستقبلية لقضايا الامه.
كان حي سوق الشجره في مدينة حماه يشهد, في ساحته المعروفة, خطاب القاضي العلواني. حتى ان في أحد الايام ومن شدة الازداحام انهار أحد اسقف المباني بسبب كثره الزحام والثقل الناتج عن كثرة الأشخاص عليه حيث أدى ذلك إلى وفاة بعض الأشخاص شوقا إلى استماع ماذا يقول القاضي العلواني.
تقدم القاضي العلواني إلى مسابقة قاضي قضاه ممتاز للعمل في المحكمة الشرعية في دمشق, وقد تم اختياره من بين خمسين متقدما إلى هذا المنصب, وباشر عمله في منصب القاضي الممتاز الشرعي لمحكمة دمشق وكان من بين معاونيه انذاك الشيخ علي الطنطاوي, وقد ذكره الطنطاوي في مذكراته (راجع على الطنطاوي).
أخذ قرار تصفية القاضي العلواني من قبل 50 شخصية مهمة في دمشق, والحوراني كان من ضمن من يعلم. استدعي سعدي الكيلاني وهو من أحد ملاكي الاراضي في دوما- دمشق آمرا أحد صبيانه محمد خير درويش من تنفيذ المهمة ومعه خمسه مرافقين. كمن له الدرويش وراء باب منزله وطعنه من الخلف إلا أن الجرح لم يكن ثخينا قاوم القاضي العلواني طاعنه إلا أن المجرم محمد خير درويش حاول الهرب وجرح القاضي العلواني في رقبته. استطاع القاضي العلواني ان يذهب إلى الدكتور شورى مقابل بيته حيث امر الدكتور الممرض الذي عنده بأخذه إلى المشفى لإجراء عملية تقطيب لجراحه. لم يستجب أحد إلى اسعافه وتركوه ينزف حتى الموت لمدة ساعتين. وهو يردد ويطلب من حوله ان يستدعوا اكرم الحوراني الذي كان وزيرا للدفاع إلا أن الأخير لم يستجب لندائه الا بعد أن علم انه فارق الحياة.
القاضي الشهيد محمد عادل العلواني قاضي دشق الممتاز, قتل غدرا نتيجة مؤامرة ذات أبعاد سياسية في تلك الاونة من تاريخ سوريا في خمسينات القرن الماضي.
القاضي عادل العلواني من الشخصيات العصامية التي بنت مستقبلها بيدها دون المساعدة من أحد. تاريخه منذ ولادته حتى استشهاده كان قيد اعجاب جميع من عاصروه في تلك الفترة.
نقلاً عن ويكبيديا
تنويه1 من فينكس: لم نعثر على صورة للقاضي الشهيد عادل العلواني, نرجو ممن لديه صورة له أن يزودنا بنسخة منها كي ننشرها له مع وافر الشكر.
تنويه2 من فينكس: أرسل لنا أحد أصدقاء فينكس مشكوراً, بتاريخ 19 شباط 2018 صورة للقاضي الشهيد عادل العلواني. وها نحن نثبتها.

