لعبت المصادفة دوراً في تواجدي أنا العبد الفقير للّه تعالى في قريتي التّابعة لمنطقة القرداحة في محافظة اللّاذقيّة أثناء الزّيارة (التّاريخيّة) لرئيس الوزراء المهندس عماد خميس للمحافظة.
كان في جعبة رئيس المجلس مئات ملايين الليرات, بل مليارات الليرات خصّصها لمشاريع استثماريّة أو خدميّة منفّذة أو قيد التّنفيذ في المحافظة, لعلّ أهمّها وضع حجر الأساس لمشفى إبراهيم نعامة في مدينة جبلة بكلفة تتجاوز المليار ليرة بقليل, و الدّعم المقدّم لمبقرة فديو و معمل الألبان و الأجبان المزمع إقامته لتصريف منتجات المبقرة بكلفة قاربت المليار ليرة أيضاً, و غيرها من المشاريع الصغيرة و المتوسّطة و الكبيرة.
أنهيت جولتي على مواقع التّواصل الإجتماعي ملاحِقاً نتائج زيارة خميس إلى بلاد العجائب, قرّرت أن أستحمّ لأكتشف أنّ المياه في الخزّان قد نفذت, و لم تنتهِ بعد العشرة أيّام منذ آخر مرّة تمّ فيها ضخّ مياه الدّولة إلى القرية لأنّها تُضخّ إلى قريتي بمعدّل مرّة واحدة كلّ أسبوع أو عشرة أيّام حسب مزاج العامل الّذي يمتطي درّاجته النّاريّة متجوّلاً بين القرى على مواضع (السكورة, جمع سِكِر) يفتح بعضها و يغلق الآخر مؤمّناً توزيعها (العادل) بين القرى العطشى, عطشى برغم الهاطل المطري الأعلى بين جميع محافظات القطر إذ يتجاوز ال 1000ملّيمتر سنويّاً و لا ندري أين تذهب مياه الأمطار. اتّصل والدي بالسّيّد فهد الملقّب أبو الزّين, صاحب سوتير المياه ليؤمّن لنا مياهً من مصدر لا أعرف موقعه بالضّبط, و بعد أن (تغنّج) قليلاً بسبب الضّغط الزائد عليه من الطّلبات, وافق أبو الزّين أن يأتي, و فعلاً أتى في اليوم التّالي جالباً لنا الفرج, و لكن كانت الكهرباء مقطوعة, و برغم أنّ أبو الزّين يعرف بمواعيد انقطاعها و برغم أنّه وقّت موعد قدومه مع موعد وجود الكهرباء, إلّا أنّ الكهرباء بقيت مقطوعةً زيادةً عن موعدها بعدّة ساعات, انتظر أبو الزّين لأكثر من ساعة على أمل أن تأتي الكهرباء و يضخّ لنا المياه إلى خزّاننا, ثمّ غادر بعد أن فقد و فقدنا الأمل من الكهرباء, و قضينا ليلتنا بدون مياه, و لم تأتِ الكهرباء ليلتها إلّا ليلاً بعد انقطاع زاد عن العشر ساعات متواصلة, الغريب أنّ زيارة خميس لبلاد العجائب لم يترافق (كما جرت العادة) مع تخفيض عدد ساعات التّقنين, يبدو أنّ القائم على التّقتين في اللاذقيّة شخص شديد النّزاهة و لم يعطِ بالاً لزيارة (معلّمه) السّابق للمحافظة.
أخبرني والدي أنّ نقلة الحطب الّتي اشتراها في أوائل الشّهر المنصرم استهلكنا منها النّصف تقريباً , و هذا يؤدّي إلى أنّنا حُكماً سنحتاح لنقلة ثانية , خاصّةً و أنّ تأمين المازوت قي بلاد العجائب ضربٌ من المُحال , لذلك لجأ جميع من في قرانا البائسة إلى الحطب لكلفته المنخفضة نسبيّاً مقارنةً مع المازوت و مذلّة تأمينه , و لتوافره في الطّبيعة المحيطة
أسبوع كامل قضيته في قريتي , و كلّما مرّ يوم , كلّما زاد تعجّبي كيف صمدت و تصمد هذه المجاميع البشريّة في محافظةٍ هي الأعلى من حيث عدد الشّهداء و عدد المتطوّعين في صفوف الجيش العربي السّوري و الأعلى في نسب البطالة , و ليس خافياً على أحد أنّ أحدَ أهمّ أسباب تطوّع شباب المحافظة في صفوف الجيش هو انعدام فرص العمل الحقيقيّة و انسداد الأفق لمستقبلهم , فلا يبقى أمامهم سوى الجيش أو ( التّفحيم ) , و سابقاً , أي قبل الأزمة, لم يكن أمامهم سوى التّهريب .
بلاد العجائب , هي بلادٌ عجيبة فعلاً , لأنّها عطشى و هي صاحبة المعدّل الأعلى في الأمطار , و لأنّ معدّل البطالة فيها هو الأعلى برغم امتلاكها أفضل مقوّمات الزّراعة و السّياحة و الصّناعة , إذ يكفيها تلك المناطق السّياحيّة الخلّابة بمناظرها و مواقعها , ففي بلاد العجائب , يجتمع الجبل مع البحر , و تعدّ بيئةً خصبةً لكثير من المشاريع السّياحيّة الواعدة
هل لنا الآن , أن نكتشف ماذا ستنفع مليارات خميس في بلاد العجائب ؟ و ما الفارق الّذي ستُحدثه في المدى القريب ؟؟؟
مشاهدات :
بلاد العجائب( جبال السّاحل ) , هي المكان الوحيد الّذي ستجد فيه سيّارات مفيّمة و تمشي بلا لوحات , و المكان الوحيد الّذي لا يتجاوز فيه التيّار الكهربائي 160ڤولت , و المكان الوحيد الّذي يوجد فيه عساكر ( مفيشين ) لأجل أن يعملوا في ( المشاحر ) لإنتاج فحم الأراكيل و الشّوي للمطاعم و لا تستطيع لومهم لأنّ رواتبهم لا تسدّ رمق عيالهم , و هي المكان الوحيد الّذي تمشي فيه في ظلامٍ دامسٍ ليلاً , و هي المكان الوحيد الّذي تعاني فيه من تأمين السّير بعد الثّالثة ظهراً , و هي المكان الوحيد الّذي لا يجرؤ أيّ مسؤول على إحالة أيّ مُرتكِب إلى القضاء أو إلى التّفتيش ( مجلس مدينة اللاّذقيّة الّذي احتاج لرئيس وزراء لإقالته كمثال ) , و هي المكان الوحيد الّذي يُوزّع فيها الخبز على القرى عن طريق متعهّد يُجبِر الأهالي على الشّراء منه يوميّاً حتّى و لو كانوا ليسوا بحاجة , و هي المكان الوحيد الّذي تقدّم أفرانه الخاصّة و الحكوميّة خبزاً لا يصلح إلّا علفاً للحيوانات و لا يجرؤ أيّ شخص أن يقول لمدراء الأفران ( يا محلى الكحل بعيونكن ) إلى أن أتى وزير التّموين المرافق لخميس و تجرّأ و أقال مدير فرن جبلة ......إلخ
لم تفارقني ابتسامة السّخرية من المليارات المقدّمة للمحافظة و أنا أشاهد بأمّ العين و ألمس لمس اليد تلك المعاناة اليوميّة الّتي يعيشها سكّان تلك القرى الفقيرة , الفقيرة بكلّ شيء , المواطن الفقير يا سيادة رئيس المجلس لا يهمّه مبقرة هنا أو محلّات للمهن اليدويّة هناك , المواطن الفقير حاليّاً بحاجة لكهرباء و ماء و مازوت و خبز ( بشري )
هامش : بلغ عدد شهداء بلاد العجائب عشرات الآلاف , و وجّه قائد الوطن بوجوب استحداث مدرسة لأبناء الشّهداء منذ سنوات , و للآن , لم تؤمّن محافظة اللّاذقيّة لا المكان , و لا الكادر الإداري و التّدريسي , و لا الإعتماد المالي .
عرين العروبة بيتٌ حرام ...

