عناية أخوتي في الانتماء إلى وطنٍ كبيرٍ أسمته أبجدية الحضارة: سوريا.... وطن يحدّه من الشرق مكانٌ وزمان... ومن الغرب قصص وأساطير... ومن الشمال.... غبارٌ ودماء.... و... من الجنوب.... خونةٌ وأعراب......
أشكر جزيل الشكر القائمين على هذه الصفحة الوطنية التي أثبتت نفسها على مدى سنوات الأزمة فاستقطبت محبة ودعم وشراكة مئات الألوف من السوريين والعرب حيثما كانو....
وددت أن أشارككم نظرتي لعامٍ مضى ونحن نقترب بسرعة من أيامه الأخيرة. وأنا هنا لاأقف على أطلالٍ بائدة، بحكم امتداد يد النار والخراب وسفك الدماء إلى قدس أقداسنا العروبية الشامية، سوريا، وإنما أقف معكم على قمة جبل الأمل والنصر والتفاؤل ان شاء الله.
يقول فيلسوفنا، حبيس المحبسين، أبو العلاء المعري:
إنّ شيئاً كان مرّة كان حتماً أن يتم
ويقول الأديب الإنكليزي جورج برناردشو:
إن نصف المعرفة أخطر من الجهل....
ويقول قائلٌ:
إن السياسة فنٌ بين شعرتين اثنتين: شعرة معاوية... وتلك التي قصمت ظهر البعير....!
ويتحفنا أديبنا السابق لعصره محمد الماغوط بقوله:
إن الموت ليس هو الخسارة الكبرى... فالخسارة الأكبر هو ما يموت فينا ونحن أحياء....
وأما الروائي الكبير نجيب محفوظ فقد قال:
أتحدى إسرائيل أن تفعل بِنَا مثلما فعلنا بأنفسنا...!
جميعنا نملك نفس العين مع اختلاف لون الحدقة لكن واقع الحال يخبرنا أننا لانملك جميعنا ذات النظرة إلى الأمور والأشياء، ولذلك فإن من يحبك بصدق يرى فيك جمالاً أنت نفسك لاتراه، ومن يضمر لك الشرّ يرى فيك بشاعةً لايراها فيك أحدٌ آخر غيره...
وجدت من المناسب أن أستهل حديثي إليكم اليوم بهذه الحِكم والعبارات لعلها تلخص واقعاً يتهرب منه البعض وتوصيفاً لأمراض عضال استهلكت صحتنا العقلية كعرب على مدى قرون من الزمن وأدخلتنا "كزبائن مميزين" في زواريب الانتحار الجماعي الى درجة دفعت بالأديب نجيب محفوظ إلى التنبؤ مبكراً جداً بالمصير المحتوم قائلاً: "إذا لم ينقرض الجهل من بلداننا فسيأتي السياح للتفرج علينا بدل التفرج على الآثار..!". وهو كلام يحاكي قولاً مأثوراً آخر للمبدع جبران خليل جبران (مع فارق زمني يكاد يعادل مئة سنة) الذي حدد ويلات أمتنا بتسع ويلاتٍ أهمها: "ويلٌ لأمةٍ كل قبيلةٍ فيها أمة..!". وبطبيعة الحال، فإن "الحاضر الغائب" نزار قباني كان الأكثر إيلاماً في وضع الأصبع على الجرح حيث قال: "إياك أن تقرأ حرفاً من كتابات العرب، فحريتهم إشاعة، وسيفهم خشب، وعشقهم خيانة، ووعدهم كذب...!".
لقد مرّ عام منذ أن كتبت لكم انطباعاتي عما يجري انطلاقاً مما أراه وأسمعه وأقرأه وأتلمسه في مطبخ السياسة الدولية، ومايميز هذا العام الذي نقترب من خواتيمه عن الأعوام السابقة هو سقوط الأقنعة وأوراق التوت وتحول "المناورات الدبلوماسية" بين الأطراف الى صدامٍ دبلوماسي وعسكري، في مرحلة أولى، ثم إلى "حربٍ دبلوماسية لاسابقة لها" تستخدم فيها كل "أسلحة الدمار الشامل المحرمة أخلاقياً" من استخدامٍ للأسلحة الكيماوية ضد المدنيين والعسكريين السوريين بشكل متكررٍ، إلى فبركة البروباغندا الإعلامية المتخصصة بغسيل عقول الرأي العام، إلى قصفٍ للبنى التحتية والجسور وصوامع الحبوب ومواقع للجيش السوري، إلى تفريغ البلاد من خبراتها وشبابها وعقولها تحت مسميات "اللاجئين السوريين"، إلى حماية الإرهاب علناً في مجلس الأمن، إلى تقديم مشاريع قرارات متلاحقة كل أسبوع تقريباً (خلال الأمس واليوم فقط تم تقديم مشروعي قرارين من وفدي فرنسا وبريطانيا أمام مجلس الأمن حول حلب، ومشروعي قرارين من وفدي تركيا وليشتنشتاين أمام الجمعية العامة!).......
لابدّ وأنكم لاحظتم أن "هستيريا" العداء لسوريا، حكومة وشعباً، هذا العام قد بلغت حدّها الأقصى، إذ لايكاد يمر يوم واحد إلا ويكون هناك اجتماع، هنا وهناك، "لتدارس" الوضع الخطير في سوريا. ويتوافد على نيويورك والعواصم الدولية رؤساء دول وحكومات ووزراء وسفراء للدفع بهذا الخيار أو ذاك. ويشكل البعض من المصابين فجأة بمرض "صداقة الشعب السوري" مجالس وتحالفات وأندية مغلقة يديرها لورنس العرب وفورد العرب وبرنارد هنري ليڤي العرب وأوغلو العرب ونتنياهو العرب وفابيوس العرب وكاميرون العرب وكيري العرب وميركل العرب.... الخ...
يكمن السبب، برأيي، في أن الجميع أصبح يدرك حجمه الحقيقي في "لعبة" الدم التي فُرضت على السوريين، وفي أن الجميع أيقن أن "المسرحية التراجيدية" هي في فصلها الأخير.... ولذلك فإن محترفي لعب المراهنات على القمار، وقد خسر معظمهم رهاناتهم المتسرعة غير الناضجة سياسياً التي كانوا "يبشرون" فيها بأن "النظام في سوريا" أمامه يومان أو أسبوعان أو شهران.... ووجدوا أنفسهم يرحلون عن المشهد العبثي الذي ابتدعوه هم أنفسهم فابتلعتهم كواليس مسرحه وغابوا عن الساحة..... قبل أن يتسنى لهم "الحج" أو "العمرة" إلى الشام شريف...
انتصار حلب مفصلي ولكن الحرب لم تضع أوزارها بعد، والأعداء يقومون الآن بتغيير جلودهم كما تفعل الأفاعي والسحالي، ويسعون إلى التنكر وتغيير أسمائهم وأشكالهم، واختلاق القصص وافتعال الأحابيل، ونصب الأفخاخ والأشراك، وتضليل الرأي العام وتزييف المعطيات، وذرف دموع التماسيح ودموع القرود ودموع العقارب القاتلة ودموع الأفاعي السامة، ودموع أسماك القرش المفترسة... كل ذلك بهدف إعادة إكتساب ماخسروه عسكرياً بوسائل "الإكراه المعنوي" والضغط السياسي عبر تشويه صورة النصر وتعظيم صورة الاٍرهابي المهزوم المنسحب بحيث يصبح "معارضاً سورياً معتدلاً" مظلوماً حتى ولو كان شيشانياً أو أويغوريا أو تركياً أو سعودياً أو كويتياً أم قطرياً أو تونسياً أو أوروبياً أو أمريكياً- كندياً أو ماليزياً أو أوسترالياً.....
أستطيع أن أقول بكل تواضع أن حجم العهر التدخلي (العربي والاقليمي والدولي) في الشأن السوري لاسابقة له في حوليات العلاقات الدولية على الإطلاق. ومع ذلك، فإن فهم ماجرى في سوريا يستدعي، حكماً، أن لانغيّب المشهد العراقي لأن البداية كانت هناك... حيث امتدت نفس الأيدي، ولو على مستوى أقل نسبياً، لتوفر أسباب غزو العراق ودماره وسفك دماء شعبه.... وكان لبنان المقاومة أيضاً ضحية "شراهة" جاهليي العرب ورعاتهم وأولياء أمرهم خدمة لمشروع إعادة رسم خريطة المنطقة بما يستبعد أي جبهة مناوئة لهيمنة اسرائيل. فشل هذا المشروع فامتدت نيران "الربيع العربي" الانتقائي والاصطفائي إلى ليبيا وتونس ومصر... ثم سوريا... ولكن هذه النيران، بقدرة رجال الأطفاء الغربيين الذين أوقدوها وسعّروها، حادت عن طريق "عرب الخليج " وعرب الاْردن والمغرب وفلسطين... بقدرة قادر...!
ثم، فجأة، ظهر "المارد" الداعشي براياته المتعددة وألقابه المتنوعة وأسمائه المبتدعة... وأهدافه "المذهبية" التدميرية للعرب وللاسلام ليكتسح بفلسفته في "مرحلة التوحش" بلاد الرافدين والهلال الخصيب مُعملاً الذبح بأبناء وشعوب المنطقة.... وللمرة الثانية، توقف هذا "المارد" عند تخوم اسرائيل والخليج وتركيا فلم يجد فيهم كلهم خصماً أو عدواً يستحق القتال ضده "إعمالاً" لكلمة الحق العليا!! وتحالف "أمير المؤمنين" مع اسرائيل في الجولان السوري المحتل ووجد جرحاه "بلسم" العلاج في مشافي إسرائيل، وخطف الجنود الفيليبينيين والفيجيين العاملين في قوات مراقبة فصل القوات في الجولان (الأوندوف) وساروا بالجنود رهائن الى الأردن حيث تم تقديم الشاي والمرطبات والعصير للإرهابيين قبل أن يعودوا الى الجولان المحتل وانتشروا في مواقع حفظة السلام.... كما نزل "الوحي" على "أمير المؤمنين" وصحابته الأجلاء بأن يسرقوا نفط وغاز السوريين ويبيعوه إلى اسرائيل عبر وسطاء عثمانيين.... ولم ينس "الوحي" أن يلقنّ "أمير المؤمنين" أن يسبي حرائر العراق وسوريا ويحولهن إلى مغانم "للمجاهدين"، وأن يخطف الأولاد صغاراً من بيوت أهاليهم ويدربهم ليصبحوا انتحاريين في سبيل الدعوة الصالحة.... إن أكثر وصفٍ دقيق لهؤلاء الزعران هو الوصف الذي قاله الشاعر العراقي مظفر النواب في أحد الأيام بحق تجار القضية...
في الختام، أسمح لنفسي أن أقول، وأنا مسؤول عما أقول، إن الجاهل بيننا هو الوحيد اليوم الذي يتشبث بقراءة المشهد الذي يحرقنا على أنه "ثورة" لأن هذه الأمة مستهدفة في وجودها منذ آلاف السنين فجاءها المسيحية والإسلام ولكنهما عجزا عن قتل روح الجاهلية في نفوسنا وزرع الوداد والمحبة واحترام الآخر وحقه في الاختلاف... أو يعقل أنه بعد أن حرر الاسلام المرأة من الوأد حيّة ب ١٤٣٨ سنة تظهر علينا جحافل من أشباه البشر يسبون النساء ويخطفون الأطفال فيُحوِّلون الصبيان منهم إلى قتلة والفتيات إلى مفخخات إنتحارية ! أو يعقل أن يخرج من بين ظهرانينا وحوش يعتدون على حضارات أجدادهم من حواضر أثرية لاتقاس بثمن وقلاع ومقابر وأضرحة وتماثيل وأهرامات ومساجد وكنائس يذكر فيها اسم الله... باسم الله! أويعقل أن مجتمعاتنا كانت تنام على حواضن إرهابية تتغذى كل تلك السنين على جاهلية دموية غبية تمتص مناعتنا الانسانية وتذيب صورتنا الانسانية وتشوه قيمنا الأخلاقية! أليس من المفيد التذكير بأن كل القراءات السطحية الجلفة لتعاليم الاسلام وكل "أدبيات" الخلافات المذهبية الاسلامية جاءت لأمتنا من نفس المصدر؟ ألم يأتي الأمويون والعباسيون والفاطميون و..... من الجزيرة العربية فحملوا معهم، في معظمهم مع بعض الاستثناءات النادرة، ضغائنهم القبلية القديمة وتقاتلوا وتآمروا ضد بعضهم البعض لتصفية عصبيات بدوية وصفها مؤسس عُلِم الاجتماع، ابن خلدون، خير وصف؟ ألم تكن هذه الخلافات التي يطلق عليها اليوم اسم "خلافات سياسية" أساساً للاتجار بأهل البيت واضطهادهم في كل العهود وتحت كل الرايات التي كانت ترفرف، هنا وهناك، باسم الاسلام؟ أليست مسألة المذاهب نتاج طبيعي للخلاف على السلطة الدنيوية على حساب السلطة الروحية للإسلام؟ هل اضطهاد إخوتنا المسيحيين ينسجم مع تعاليم الاسلام ونبيّه محمد؟ هل تهجيرهم وسبي نسائهم وإرغامهم على تغيير ديانتهم السماوية التي تشكل، في كثير منها، جزءاً من تراث الاسلام، يمكن تبريره شرعاً؟ كيف أغمضت هذه الأمة بمفكريها وعلمائها وأجهزة أمنها ومدارسها وكتبة مناهج التعليم فيها عيونها عن هذا السرطان الرهيب الذي يأكل أدمغتنا ويسلب عقول أبنائنا ويحولنا إلى "أمة ضحكت من جهلها الأمم"؟ صحيح أن أخطاءنا قاتلة ولكن يجب الاعتراف، أيضاً، بأن حدة استهداف أمتنا وشعوبنا قد زادت بعد زرع خنجر اسرائيل بين لوحي كتفنا. وقد كان آباء النهضة العربية في بداية القرن العشرين، وأولهم نجيب عازوري، على حق عندما استشفوا أن الصراع بين العروبة والصهيونية، كأيديولوجيتين متنافستين، هو صراع لن يحسمه إلا انتصار أحدهما على الآخر... ولذلك فإن قصتنا لاتكمن فقط في محاربة الفساد والمحاباة والمحسوبيات واحتكار السلطة وفي الحفاظ على التعددية وغنى التنوع بوسائل غير عنفية، بل قصتنا هي كيف السبيل الى العمل الجماعي التوعوي لإفشال دفعنا جميعاً الى الغرق في مستنقع الانتحار الجماعي والزوال من خارطة الكرامة والإحساس بالوجود...
دمتم سالمين وكل عام وأنتم جميعاً سالمين غانمين ترفلون بحلة النصر على الذات وعلى الأعداء... عاشت سوريا وجيشها وعاشت العراق وجيشها في معركتهما المشتركة ضد البغي والعدوان والنصابين وسقط المتاع والمحتالين وقمامة البشرية وقطاع الطرق والمرتزقة من كل الأصناف والمشارب... عاش كل عربي أصيل منتمٍ إلى عروبته النقية الطاهرة التي لاتتلاعب بعياراتها البروباغاندا المسممة للطهارة والناقضة للوضوء... عاشت المقاومة اللبنانية والفلسطينية (الشريفة وليس خونة حماس)... عاشت روسيا وإيران وفنزويلا وكوبا والاكوادور وبوليفيا وبيلوروسيا والهند وجنوب أفريقيا والعشرات من الدول الأفريقية واللاتينية التي وقفت مع سوريا في حربها ضد الاٍرهاب ورعاته فكانت تطبيقاً عملياً للمثل القائل: "رب أخٍ لك لم تلده أمك...".
صفحة الدكتور بشّار الجعفري

