منطق سلطة الدولة يختلف عن منطق مبدئية الأحزاب السياسية. فسلطة الدولة تخضع لضغوط داخلية وخارجية، وعليها إيجاد حلول وسط لحفظ التوازنات العديدة الدقيقة للإستمرار في الحكم. أما الأحزاب السياسية فهي قائمة على المباديء والأفكار، وليس بإمكانها تقديم التنازلات بإستمرار وبالطريقة التي تقتضيها مصلحة الحكم. وهنا يحصل لا محالة التناقض، والذي غالبا ما يصيب الأحزاب السياسية بالضرر، لأن الدولة يجب أن تستمر!؟
في البلدان الغربية التي تحكمها الديمقراطية البرلمانية، يقوم المواطنون بإنتخاب حزب أو أكثر لتشكيل الحكومة، وبعد دورة إنتخابية أو دورتين مثلا، تستهلك السلطة الحزب الحاكم، ويخرجه الناخبون من الحكم. وهنا يلجأ أعضاء الحزب لتجديد قياداته وتطوير مبادئه ونظرياته بما يلائم تطور الحياة، ويلبي رغبات المواطنين لإعادة إنتخابه مرة أخرى!؟ إذا تجديد القيادات وتطوير الأفكار، هي السبيل لإستمرار الأحزاب السياسية! فماذا فعل حزب البعث!؟
أولا: أقام الوحدة بين سوريا ومصر.
ثانيا: إحياء الشعور والفكر القومي العربي، وطبعا بالشراكة مع الناصرية.
ثالثا: تدعيم ومساندة حركات التحرر العربية، خصوصا في فلسطين.
رابعا: إكمال عملية الإصلاح الزراعي التي بدأها جمال عبد الناصر.
خامسا: البداية بالتصنيع وملكية الدولة لوسائل الإنتاج.
سادسا: التعليم والطبابة المجانية.
وفي عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، حدث أمران مهمان:
أولاهما: بناء جيش عقائدي قوي، وإحداث (توازن) مع العدو.
ثانيهما: الأمن الغذائي، والإستقلال المالي الإقتصادي.
وأما الأخطاء القاتلة التي وقع فيها حزب البعث، نختصرها بما يلي:
أولا: بقاء المباديء والأفكار والنظريات السياسية وبدون تطوير يذكر منذ تأسيس الحزب.
ثانيا: الخصام غير المبرر مع القومية السورية والناصرية، وتضييق الخناق على المفكرين وأصحاب الرأي، وفي نفس الوقت مغازلة اليمين الديني الرجعي، والإستئثار بالسلطة.
ثالثا: إلغاء الديمقراطية في الحزب، وتعيين القيادات من أعلى إلى أدنى.
رابعا: فتح أبواب الحزب على مصاريعها لكل إنتهازي وطالب وظيفة، ويقال أيضا للإخونجيين.
خامسا: إبتعاد الحزب عن جماهيره (الطبقة العاملة، صغار الكسبة، المثقفين الثوريين).
سادسا: الإنشقاقات المتتالية التي حصلت في صفوف الحزب وأضعفته!
سابعا: التحول من الإقتصاد شبه الإشتراكي إلى الإقتصاد الليبرالي، وخصخصة القطاع العام. مما شكل ضربة قاصمة للإشتراكية، مبدأ ومبرر وجود حزب البعث كحركة شعبية جماهيرية إشتراكية، ومما أحدث خللا إقتصاديا كبيرا في المجتمع، تمكن من خلاله الأعداء من إختراق الدولة ومحاولة القضاء عليها!
وهكذا نرى بأن حزب البعث وبسبب إستهلاك السلطة له، وعلى حساب مبادئه، قد تراجعت شعبيته، حتى أن كثيرين أصبحوا (وربما دون حق) يحملونه جميع مساويء المرحلة برمتها!؟ فالحزب، أي حزب سياسي يقيم ويقاس بمبادئه ونظرياته، فإذا تراجع عن مبادئه فلن يبقى الحزب الذي عرفته الناس سابقا!؟
حزب البعث، حزب قومي إشتراكي عريق، فهل له القدرة لتصحيح أخطائه والعودة لجماهيره وتطوير نفسه!؟ هذا السؤال يجب أن تجيب عليه قواعد الحزب المؤمنة به. نأمل خيرا!
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب
2026.06.18
"دير ماما" الدير الغائب وذاكرة القديس في جبال مصياف
2026.06.18
تاريخ فيضانات وطوفانات نهر العاصي في مدينة حماة
2026.06.17
قول آخر في شخصية "آنا كارنينا" في الرواية التي تحمل اسمها للعظيم ليون تولستوي
2026.06.16
2017.03.07

