ـ سنواتٌ سِتٌّ تفصلنا اليومَ عن بدايةِ عصرٍ عالميّ جديد..، عصر الحرب الشّاملة على سورية. إنّه عصرٌ عالميٌّ موصوفٌ بخصوصيّةِ أنّهُ سيبقى بالنّسبةِ إلينا كما بالنّسبة لأبنائنا و أحفادنا على توالي أجيالهم، منعطفاً عربيّاً و سوريّاً و إقليميّاً و عالميّاً و تاريخيّاً، بالإضافة إلى أنّه شكّل و سيشكّلُ مفترقاً أنثروبولوجيّاً يُضافُ علميّاً إلى تاريخ "تطوّر" المجتمعات و الأمم. عصر التّحوّلات العالميّة الشّاملة التي تُحقّبُ لتشكيلةٍ سياسيّة عالميّة عابرةٍ للقارّاتِ و البحار و المحيطات. و هي عابرة أيضاً للثّقافة و الأخلاق. و يبدو أنّهُ عصرٌ لن تنجلي خبرتُهُ، فهماً و إدراكاً، إلّا في فلسفة السّياسة.
ـ و في الصّورة الشّاملة، أيضاً، فإنّه عصر إفصاح هذا "العالَم" عن معاناته من فاقة فوقَدماغيّة! هي ليست فاقة عضويّة تكوينيّة، و إنّما هي تعبيرٌ عن العَوَزِ المزمن الذي يُرافقُ الانتفاخ الإنسانيّ المبرّح جرّاء إيمانه بثقافاته الضّحلة العمياء. الثّقافات التي أرهقت "سَوَاءَ" الغريزةِ الطّبيعيّة الحنونة التي ضمنت للإنسانيّة كلّ تاريخها البنّاء؛ فيما هي (الإنسانيّة) - مع "التّقدّم"- تَنحَرُ جميعَ إنجازات تاريخها بسبب التّسلّط العُنفيّ الوَرِمِ الذي سيقضي – ربّما- على أفضل الآفاق المحتملة أو الممكنة.
ـ نحن ما نزالُ في "مناسبات" دماءٍ أُهرِقَتْ و تُهرقُ، و آلامٍ سالَتْ و تسيلُ، و فظائعَ ارتكبتْ و مازالت تُرتكبُ باسم الإنسانيّة و "حليبِ الأطفالِ".. و الثّورة و الحرّيّة و النّزاهة و حقوق الإنسان. إنّها طنطناتُ و قرقعاتُ الأسماء الثّقافيّة- السّياسيّة، الكليّة، التي تستعيد طقوسَها البربريّة في حقولِ النّار و بحار الدّم، و في ممارسة أبشع أنواع الاستيهام و الإيهام و الجهل و التّجهيل و القتلِ و الدّمار على الشّعوبِ الطّريّة..، لتصنيع " أفضل" أداء مُحسّنٍ للوحشيّة الاجتماعيّة و البربريّة السّياسيّة، و العنف و التّوحّش..
ـ اليومَ.. وصلت الحربُ القائمة علينا في سورية إلى مرحلة تسمح بتحقيب الصّراع الدّائر و عنصرته في أفعال و مراحل نوعيّة و استجابات تعبّر تعبيراً واضحاً عن واقع و طبيعة حجم المؤامرة العالميّة- الأعرابيّة، على نحو يفضح جميع مكوّنات هذه الحرب النّموذجيّة غير المسبوقة على الأمم و الأوطان، بحيث تشرح هذه الحربُ نفسها كمثالٍ على وَفرةِ الأفكارالقاتلة على الشّمول، و خطابِها الموازي، مقابل نَدرةِ الثّقافة التي تُمارَسُ في وجه هذه الآليّة التّدميريّة، المنظّمة جدّاً، للحرب في الأُنموذج و المثال.
ـ لا يُلبّي حديثنا على الواقع اليوميّ الفظّ و المباشر و القريبِ، هنا، شيئاً من المعرفة. فالمنظرُ الدّامي للقتل الذي يُمارسُ على شعبنا العربيّ السّوريّ، و الدّمار و التّخريب الممنهجَين، و الخنق المتعمّد للحياة، و الثّأر و الانتقام من حضارتنا العربيّة السّوريّة العريقة عراقة هذا التّراب، و محاولات إذلالِ كراماتنا، و العمل على تقبيح البطولة و الشّهادة و الرّجولة و الأنوثة و الجمال.. ، و الانتقام من البشرِ و الحجر.. ، و شطب الرّوحِ الأصيلة في المكان .. أقولُ جميع هذا و ذاك ، هو ممّا استفاض الكثيرون في الحديث فيه و "وصفوهُ" بطرق متعدّدة بعضُها القليلُ – و الأحرى النّادر- الذي كان توظيفه ناجحاً للكشفِ عن "كلمات السّرّ" التي تُبرمج مفتاحيّات الحرب؛ على أنّ الكثير منها، أيضاً، كان و ما زال مُصاباً بالوظيفيّة الانتهازيّة التي غالباً ما تزدهرُ، ثرثرةً مقيتةً لهُواةٍ هَزْليين، في الكوارث و الملمّات.
ـ و مع تقدّم و تطوّر الدّيناميّات المختلفة للدّمار و سفك الدّم الشّجاع، الذي "تكفّلتْ" به هذه الحرب، تتطوّر أيضاً مجموعة من الإيحاءات و المعالم التّكوينيّة البنيويّة التي تشكّل منحًى خطّيّاً لتعاقبِ الأحداث و المراحل التي قطعتها هذه المَعْمَعَةُ، هذا و لو أنّ الفصل بين المراحل و الأغراض و الأدوات غير ممكنٍ كما أنّه ليسَ من أهداف هذه القراءة.
ـ نحن اليوم على مسافةٍ كافية من البدايةِ و التي تستمرّ في الأدوات و الأهداف، كما أنّنا في مرحلةٍ متقدّمة و ناضجة من هذا الصّراع، تسمح كلّ منهما بمعاصرة مضمون و مغزى هذا الحدث التّاريخيّ العاتي. إنّه علينا أنْ نقرأ الكارثةَ الإنسانيّة التي يُمارسها علينا ثأرُ "الآخَر"، قراءةً مفصّلةً و واسعةً- و هذه دعوةٌ لكلّ متمكّنٍ و قادرٍ من المثقّفين و المفكّرين و علماء الاجتماع- و أن نعمل على تفنيد مبادئها و مراحلها، و ذلكَ قبل أنْ نصبح َنحن- كما هي العادة- مادّةً صمّاءَ للدّراسات الغربيّة و الاستشراقيّة التي تعبثُ بحقائقنا و تاريخنا من وجهات النّظر و الثّقافة "المركزيّة"(!) الغربيّة المعروفة بمناهجها المغرضة؛ في الوقت الذي أَعتبرُ فيه هذه المقاربة الوجيزة و العَجلى إسهاماً أوّليّاً في المقدّمات الأساسيّة فحسب.
ـ كان واضحاً منذ بداية هذه الحرب الهمجيّة أنّ أهدافها مركّبةٌ و معقّدةٌ، بحيث أنّ شعاراتها الأوّليّة الكاذبة لم تعبّر، البَتَةَ، عن أهدافها الحقيقيّة. و يوماً وراء يوم و حدثاً إثرَ حدثٍ ، راحت الجريمة الشّاملة تشرح نفسها من دون تحفّظٍ، و لكنْ بدرايةٍ تامّة من المخطّطين و المنفّذين ، الأصلاءِ و الوكلاءِ و المرتزِقةِ و المأجورين ، فيما ينتقلون يوماً بعد يومٍ في الفجورالذي يؤسّس لأهدافهم السّياسية ، التي باتت عاريةً حتّى بالنّسبةِ إلى أشدّ مَنْ كان و ما زال مِنْ مناصريهم و محازبيهم و زبانيتهم من المعارضات المحلّيّة، الدّاخليّة و الخارجيّة ، تقيّةً و غباءً و حقداً و مزايدةً.. في وقتٍ واحد.
ـ لقد استهدفتْ الحربُ على سورية كلّ شيء له إسمٌ حضاريٌّ و قوميٌّ و وطنيّ: روح العصر،الانتماء و الاندماج العربيّين ، مقوّمات الوطن ، الدّولة و الأرض و الشّعب ، مكوّنات المجتمع ، الإنسان بدمهِ و لحمه..، الاقتصاد و المال العام، المؤسّسات و المرافق العامّة ، الثّقافة و البنية الخدميّة ، السّايكولوجيا الفرديّة و الاجتماعيّة..، و الأحلام أيضاً.. إلخ..، إلخ.. غير أنّ أهدافها هذه انقسمت في توجّهين أساسيين يمكن التّعبير عنهما باستهدافين منظّمَين و مخطّطين هما: رأس المال المادّي، و رأس المال الرّمزيّ.. إنّ أدوات الحرب و السّياسة في الغرضِ و الغاية لا تخرج بأيّ حالٍ عن هذين المكوّنين الرّئيسين للوطن أو للأمّة.
ـ صار من المفهوم، كيف استهدفت الحربُ البنيةَ المادّيّة التّحتيّة في سورية و استباحت حقوق المواطن و الإنسان بالحياة و الوجود و لقمة العيش و سدّ الرّمق. اجتمع القاصي و الدّاني للتّخريب المدمِّرِ و الخيانة المُنظَّمة و الفجور المُمَنهج و الاعتداء على ، و اغتصاب، جميع عناصر الحياة.. و ساعد على ذلك من هم في حكم العدوّ العالميّ و الإرهابيّ من تجّارِ الحربِ في الدّاخل و الخارج، إضافةً إلى كيل العقوبات الغربيّة الاقتصاديّة و الماليّة على الشّعب العربيّ السّوريّ ذي العودِ الغضّ. . هذه الصّورة هي الأوضح عند الغالبيّة ، نظراً للمعاناة المباشرة التي يرزح تحت وطأتها المواطن و الوطن. هذا أمرٌ واضح إذاً.. و لكنّ الأمر الذي ينبغي علينا أن نُدركه هو ما ليسَ من الملحوظ عياناً. و لو أنّه يصبح جليّاً فيالتّفكير الوجيز. إنّني أعني بهِ الحربَ على رأس المال المعنويّ أو الرّمزيّ التي تُعدّ أهميّتها مركزيّة ، و غالبةً في الظّرفيّة ، في صلبِ جوهر الحرب و في مراميها الأكثر خطورةً و الأبعد أثراً، لا سيّما مع فشل الحرب العسكريّة الإجراميّة المباشرة في النّيل من صمود المجتمع و الدّولة و الجيش و البنيان و الإنسان.
ـ إنّ رأس المال الرّمزيّ ، هو كلّ ما يتعلّقُ بالقيمة على شتّى أنواع القيم المعروفة في الاقتصاد و السّياسة و الأخلاق ، بما يختلف عن الكلفة المادّيّة التي يعرفها الجميع. . فهنالك القيمة التّبادليّة التي يعرّفها الاقتصاديّون ( و مثالهم ماركس ) بأنّها كميّة العمل الاجتماعيّ المبذول لإنتاج البضاعة أو السّلعة أو الخدمة. . ثُمّ القيمة الاستعماليّة التي يعرّفونها بضرورة أو إلحاح الحاجةِ إلى الشيء. . و هناك القيمة الأخلاقيّة التي تعتبرُ قيمة غير معياريّة من حيثُ أنّها لا تقاسُ و لا تُقدّر و لا تُثمّنُ و لا تُسعّر. وهذه القيمة الأخيرةُ هي القيمة التي يكون معها العالمُ أكثرُ صِدقاً و إنسانيّة و آدميّة و طمأنينة و اطمئناناً و أماناً. و فوق جميع تلك القيم ، و فيما يختزل جوهرها أيضاً ، هنالك القيمة الرّمزيّة التي يشكّل مجموع عناصرها ما يُسمّى برأس المال الرّمزيّ في الوطن أو الدّولة أو الأمّة .. الذي يعني العبثُ فيه ، انتهاكاً للثّقة بالتّكوين الوجدانيّ للمجتمع و اعتداءً على الثّوابتِ التي تمنح الأمّة أو الدّولة صيغتها الجوهريّة التي تقاوم العدوان الّلغوي الذي يترك أثره ، أوّل ما يتركهُ، على الإيمانِ بالذّات الجمعيّة المستمدّة من أصل الحقّ الترنسندنتاليّ ( القَبليّ أو العالي أو المتعالي أو المفارق للمحسوس في التّجربة و التّبادل..). و هذا بالضّبط ما اشتغلت عليه الحربُ على سورية منذ بدايتها أيضاً بالتّزامن مع تخريب جميع بنى رأس المال المادّيّ.
ـ كان التّخطيطُ، و ما زال، واضحاً لتدمير القيم الوطنيّة الرّمزيّة ، التي تُعدّ الهيكلَ الأساسيّ للبنية الوطنيّة الجمعيّة. فعلاوة على الحربِ المادّيّة الشّاملة التي خرّبت كلّ ما أمكنهم فيها تخريبه، كانت الحربُ الرّمزيّة أخطرَ و أعتى، و قد عملوا على ذلك بوضوح و صراحة و شراسةٍ غير مسبوقة. و تبدو خطورةُ هذا النّوع من الحرب في اطّرادها بالتّساوق و التّزامن مع الحرب على العناصر الوطنيّة الواقعيّة و المادّيّة. و من الواضح أنّهم أدركوا هذه الخطورة في أهمّيّة وسائلهم و أدواتهم ، و اشتغلوا عليها بما لم يدّخروا فيه الغالي و الثّمين من الأموال و السّياسة و الدّبلوماسيّة و الدّين و الفجور الإعلاميّ أيضاً.
ـ عندما نعود في الذّاكرة القريبة إلى تعاقبِ مراحل الحرب على سورية و أدوات هذه الحرب ، نُدرك بوضوح كيف اشتغلَ العدوان العالميّ- الوَهّابيّ ، البربريّ- الوحشيّ ، على استثمار تخريب الواقع المادّيّ و الاقتصاديّ و البنية التّحتيّة في مكوّنات الدّولة ، تسهيلاً للوصول إلى تناول ما أسميناه رأس المال الرّمزيّ ، بالعبث و التّشكيك النّفسيّ الاجتماعيّ و التّاريخيّ وصولاً إلى العمل على التّدمير و الدّمار الشّامل .
- نذكرُ أنّه من أوائلِ ما بدأت فيه الحربُ ، في النّصف الثاني من شهر آذار- مارس من العام 2011م ، كان هو الهجوم على الرّمزيّة الإنسانيّة و الأخلاقيّة للدّولة ، و ذلك في أسطورة "أطفال درعا" الفانتازيّة التي صارت معروفة و مفهومة و مفضوحة أيضاً.
- ثمّ جرى الانتقالُ إلى الهجوم على " الدّستور " من جهة " المادّة الثّامنة " منه و التي قصدوا من خلالِ شيطنتها ، حذفَ تلك القيمة الرّمزيّة للبعثِ ، كحاضنٍ للقيم العربيّة في الدّولة الوطنيّة السّوريّة ، و دكَّ الإسفين الأوّل في الجسد السّياسيّ السّوريّ المعاصر.
- و تلا ذلكَ الهجومُ على اعتباريّة الجيش العربيّ السّوريّ ، بوصفه حامياً للدّيار في وجه الاستباحة الشّاملة للوطن ، كما بوصفه الجدارَ الصّلب الذي تتكسّرُ عليه مشاريعهم التّقسيميّة الانتقاميّة و الثّأريّة ، فقاموا بمحاولات لم تيأس بعدُ ، من أجل تصويره كقوقعةٍ غريبةٍ عن جسد الوطن. و ها هي الأيّام تُثبتُ ، الآن تحديداً ، قيمة هذا الجيش البطل و دوره في الحفاظِ على كرامة الشّعب العربيّ السّوريّ و تجنيبه العبوديّة ، و الحفاظ على شخصيّة الوطن و الدّولة و حماية و صيانة هيبة الأمّة العربيّة جمعاء.
- و رافق هذا و ذاك ، الحربُ على رمزيّة " العَلَم " الذي يختزلُ العَقَديّة السّياسيّة للشّخصيّة الوطنيّة ، إذ رفعوا في حربهم المأجورة علمَ الانتداب الفرنسيّ في وجه علم البلاد.
- و انتقلوا بعد ذلك ، إلى التّركيز الكثيف في الهجوم على " الرّئيس " و على شخص الرّئيس الأسد باعتباره رمزاً كثيف الدّلالة للجُرأة و الصّمود و الشّجاعة و لِأنّهٌ ضامنٌ سياسيٌّ و أخلاقيٌّ لوحدة المجتمع و الدّولة و المؤسّسات.
- و في الأثناء تناولتِ الحربُ "الرّمز الطّائفيّ" الذي يُعبّر عن تنوّع المجتمع العربيّ السّوريّ و قوّته و غناه في هذا التّنوّع ؛ فجاهروا ، حِقداً و لؤماً و تفاهةً ، بالهجوم الطّائفيّ و المذهبيّ الصّريح ، عليه. و لقد لجأتُ إلى هذه التّبسيطيّة في التّفنيد السّابق ، أملاً في أن تدخلَ هذه الفكرة في عداد الثّقافة السّهلة التي تُصاب بها المجتمعات و العالم ، يوماً إثر يوم، مع أنّ هذا الأمر هو في عداد الأسلوبيّة الوظيفيّة المتطوّرة للعلوم النّفسيّة الاجتماعيّة الحديثة و المعاصرة. و على أيّ حال ، فهذا ليس هو المشهد الشّامل الحقيقيّ ، على الحصر، لهذه " الحرب " كواقعةٍ تاريخيّةٍ ، من المرجَّح أن يستبعدَ تكرارَها ، كلّ منطق للتّحليل و التّركيب و الجدل. و هذا هو بالضّبط شأن الحركات و الأعمال و الأحداث الفاصلة في التّاريخ.
إذاً، فلكي يكتملَ المشهد، لا بدّ من أن نبحث عن وجهٍ إيجابيٍّ موضوعيٍّ واضح ـ و لو على مضضٍ وجدانيّ- لهذه الحرب؛ و شأنُها في هذا شأنُ كلّ حدث تاريخيّ أو طبيعيّ أو كونيّ ، من حيث اجتماعُ ما ننعتُه، فيها، في " الثّقافة "، سلباً و إيجاباً. و يتبدّى هذا الوجه الإيجابيّ في الأثرِ الإقليميّ و العالميّ الذي كان أحد أهم أصداء و مفاعيل هذه الحرب. منحت الحربُ شرعيّةً نهائيّة و ثابتةً للمقاومة العربيّة ، ضدّ مختلف مشاريع الالتهام المُعَدّة تاريخيّاً لمنطقتنا "الشّهيّة".. ، في وجه المشروع العالميّ المعادي ضدّ قلب أمتنا العربيّة في هذا المكان الاستقطابيّ للجغرافيا و التّاريخ و المتمثّل في (سوريا - بلاد الشّام).
1 - فلقد تجلّت في (سورية) كلّ عراقة الثّبات و التّحدّي التّاريخيين، و قدرة الشّعب العربيّ السّوريّ و الجيش العربيّ السّوريّ و نظامه الاجتماعيّ و السّياسيّ، كأسطورةٍ معنويّة أبديّة من أساطير مواجهة و سحق موجات الغزو الاستعماريّ التي تعدّدت على مرّ تاريخ (دمشق)، فتحطّمت- مرّة أخرى و أخرى- أوهام الغزاة و المحتلّين و مشاريعهم و أطماعهم على مختلف صنوفهم الأعرابيّة و العثمانيّة و الصّهيونيّة و الأوروبيّة و الأميركيّة.
2 - أثبت "حزب الله" قوّته و ضرورته الاستراتيجيّة و جوهريّته التّكوينيّة في (لبنان) و منطقة المشرق العربيّ كلّه، و استعاد جميع مسوّغاته النّضاليّة الإقليميّة ، فاندرج في عناصر " القوّة الشّاملة " السّوريّة و الإقليميّة في وجه الصّهيونيّة العالميّة و الرّجعيّة العربيّة الإسلاميّة و المخطّطات الغربيّة على مختلف جنسيّاتها و أهدافها و أوهامها في ابتلاع المنطقة أيضاً.
3 - برزت (إيران)، عمليّاً، كقوّة إقليميّة واقعيّة و قادرة، و كمُعادلٍ سياسيّ و عسكريّ حيّ و جِدّيّ في وجه وحشيّة دول "الكاز والغاز" الرّجعيّة الوهّابيّة ، كما في وجه البدائيّة السّياسيّة "الأخونجيّة" التّركيّة و أوهامها في استعادة ما تبدّد من أحلامها الضّائعة في أمجادها الإمبراطوريّة البائدة .. فيما دخلت (تركيا) في مرحلة خلخلة اجتماعيّة و سياسيّة داخليّة ، عرقيّة و ثقافيّة و طائفيّة ، سوف يكون لها أثرها المباشر ـ و ربّما القريب - في زعزعةدكتاتوريّة الطّغمة الحاكمة " الأخونجيّة " فيها ، بعد أن جرى نبذها ، بحذافير الفضيحة العقلانيّة التي تورّطتْ فيها، من " مشروع " انضمامها إلى "الاتّحاد الأوروبيّ ".
4 - تملمَلَ " الشّرقُ " العالميّ و راح ينفض عنه غبار اليأسِ ، ثأراً من الأخطبوطيّة الغربيّة - الأميركيّة ، فوصلت أمواجُ حضوره الواثقة الجديدة في " النّظام العالميّ " المستحدث بفعل أثر الصّمود السّوريّ الخارق ، إلى أقاصي ( شرق آسيا ) مع ( روسيا ) و ( الصّين )، حتّى شواطئ المحيط الهادي.
5 - ترسّخ و تفعيل عمل كتلة مجموعة دول " البرِيكس " ( BRICS ) في مواجهة التّغوّل الأميركيّ - الغربيّ، و تنشيط دور معاهدة دول " اتّفاق شنغهاي " للتّعاون ( SCO ) في ظروف التّعنّت الاستحواذيّ الغربيّ الاستعماريّ المعاصر.
6 - استعادة التّوازن إلى قرارات " مجلس الأمن الدّوليّ " نتيجة الدّور العالميّ القويّ الذي اضطلعت به من جديد ، كلّ من ( روسيا ) و ( الصّين ) أمام كلّ من ( أميركا ) و ( إنكلترا ) و ( فرنسا ) ، و استعادة بعض الشّرعيّة الدّوليّة إلى أعمال منظمة " الأمم المتّحدة "، تَبعاً للدّور الجديد لكثير من دول العالم التي تتخلّص شيئاً فشيئاً من تبعيّتها إلى الوَلايات المتّحدة الأميركيّة و الغرب الإمبرياليّ بشكل عام.
7 - وقَبْلَ ذلك وبَعْدَهُ وخلاله ، جري تطويب قيادة تاريخية عالمية وإقليمية وعربية وسورية ، كانت بيضة القبّان وقطب الرّحى والعمود الفقري ، في جميع هذه التّحوّلات والتبدّلات والتغيّرات التي تطرأ علي الساحة الدولية ، هي :
[أسد بلاد الشام: الرئيس بَشّار الأسد]
و في هذه البيئة العالميّة الجديدة ، تنمو من جديد ثقافاتٌ و أعرافٌ بديلةٌ في " الغرب " و " الشّرق "، تتجذّرُ على العداء للسّياسات الصّهيونيّة - الأميركيّة - الأعرابية التي بدتْ إلى حينٍ على أنّها قدرٌ تاريخيّ عالميّ و وحيد.
ـ في الحقيقة السّياسيّة التّاريخيّة ، و من باب الفلسفة السّياسيّة ، فإنّ المعاناة الشّاقّة التي يرزح تحت وطأتها : الوطن و الدّولة و المجتمع و الشّعبُ في سورية عَبرَ السّنوات السّتِّ الماضية على الحرب ، هي أكثرُ من نتاجٍ مباشر ، أصاب عناصر و معالم الحياة و مظاهرها الحيويّة و الاجتماعيّة و النّفسيّة. ـ هذا الأمرُ ليس قليلاً على كلّ حالٍ، و ليس عابراً في معايير الخراب و الدّمار و الألم الوجدانيّ الذي تغلغل في الأمل الفرديّ و الجماهيريّ سواءً بسَواء.
ـ غير أنّ ما هو مُقْلِقٌ جداً - ربّما - و مرتقبٌ و احتماليّ و واقعيّ كذلك ، هو ما يمكنُ أن يُسمّى بالحالة المعرفيّة العامّة الغالبة للعصر و التي يدخلُ فيها ما هو أصلبُ تكويناً ، في إعادة إنتاج الكينونة المكانيّة- الزّمانيّة التي ستقدّمُ ، أو التي من المتوقّع والمحتمل والممكن أن تقدّمَ ، أسباباً و مُعطياتٍ تفكيكيّة اجتماعيّة و سياسيّة ، تكريسيّةً ، تحت عنوان الإضافات الأيديولوجيّة التّاريخانيّة ، إلى حصيلة الأيديولوجيا العربيّة- الإسلاميّة الانقساميّة و الانعزاليّة التي كانت في صلبِ قاعدة معطيات الحرب نفسها في الأسباب و الأدوات و الدّوافع و المحفّزات.
ـ نحن هنا في مواجهة انعزاليّة أيديولوجيّة جديدة ، من الممكنِ أن تُمعنَ في التّخندق الأيديولوجيّ المناوئ للعقلانيّة و العصرنة و علمانيّة الدّولة و المجتمع ، و المعاند- من ناحيةٍ وظيفيّة موضوعيّة - لأفاق و ظروف العدالة الاجتماعيّة ، في مواقع اجتماعيّة و اقتصاديّة و فئويّة استحدثتها ، مؤخّراً، الحرب. . هذه حالة ثقافيّة - مادّيّة و نظريّة - تنمو في "الإبستميّة : المعرفية" العامّة ، كسلطاتٍ أخرى جديدة تعزّز واقع السّلطات الدّاشرة خارج سلطة الدّولة و النّظام ، و بمعزلٍ عن أيّة قوّة معرفيّة لمشروع الدّولة الوطنيّة.
ـ و في مواجهة هذا الأمر تبدو مهمّات " الدّولة " أكثر جِدّيّةً لتنظيمٍ مضادّ و مقابلٍ، و لاستثمارٍ أكثر درايةً معرفيّة و مسؤوليّة تاريخيّة ، في مشروعٍ شاملٍ من البحثّ و الدّراسة و الاستقصاء و التّعمّق ، في ما وراءِ الأشكال العابرة للفعل و ردّ الفعل. و كلّ استجابةٍ لأيّ حدثٍ أو مفعولٍ من مفاعيل الواقع ، مرهونةٌ بمدى و بالقدرة على تشخيص الوقائع التي تنحو منحى الظّواهر الموصوفة.
ـ من هنا يبدو مستقبلُ الوطنِ و الدّولة و المجتمع ، ليسَ معقّداً أو مركّباً فحسب ، و إنّما أيضاً محفوفاً بمجموعةٍ من المخاطرِ التّاريخيّة التي ينبغي أن تُبتَرَ بتراً منظّماً و معرفيّاً ، و ذلك باستخدام علوم الإحصاء السّياسيّ و الاقتصاد السّياسيّ و فلسفة السّلطة و الدّولة ، و مواقع و مواضع التّأثير ، للضّبط الدّقيق للنّتائج التي أفضت إليها حربُ الإرهاب العالميّ على البنية الاجتماعيّة السّوريّة ، هذه النّتائج التي تتمظهر مباشرةً في العادات و الأعراف الثّقافيّة الجديدة التي تؤسّس لواقعٍ تربويٍّ و أخلاقيّ فرديّ و اجتماعيّ جديد.
ـ من واقع مفردات السّايكولوجيا الفرديّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة و الإداريّة و الثّقافيّة الجديدة ، التي رسّختها الحربُ الدولية ، علينا، منذ اليوم ، أن نتطلّعَ إلى إسهامٍ منظّمٍ بقوّة الدّولة و عنف الدّولة المسوّغِ و المشروع، في الإعداد للانتقال التّاريخيّ الأيديولوجيّ و الثّقافيّ ، جنباً إلى جنبٍ مع إعادة البناء و الإعمار، في مشروعٍ هو أولويّةٌ إلى عشرات السّنين المقبلة أو يزيد.
ـ و فقط ، في إدراكِ " المادّيّ" و "الرّمزيّ" في آثار الحرب المعاصرة على سورية ، يمكنُ لنا أن نتصوّرَ و نطرح - في مسؤوليّة تاريخية - جميع ما يمكنُ لمؤسّسات المجتمع و الدّولة أن تقوم به ، كدورٍ منظّمٍ من الأدوار المطلوبة على الجميع ، أفراداً و مؤسساتٍ و سلطاتٍ ، في إطار سياسة الدّولة النّوعيّة في التّخطيط ، و التي تهدف - ما أمكن - إلى شقّ طريقٍ إلى المستقبل ، يكونُ معه عمر تجاوز هذه الحرب مع آثارها المدمّرة، موضوعاً خاضعاً للتّحديد و القياس.

