وضَعَتْنا "الحرب علي سورية" في مواجهة الكثير من "المفردات" الطّارئة و الحالات النّاشئة المتداخلة مع آثار الزّمن القريب و البعيد. و ليس أمامنا خياراتٍ في عدم استيعابها، و التعامل مع أثرها السّلبيّ على وجه التّحديد.
يتعرّض تاريخنا القوميّ العربيّ لامتحانٍ أصالةٍ طويل، وضعَ سورية في البؤرة المحرقيّة لسياسات عالميّة و إقليميّة، طارحاً عليها أسئلة و تحدّيات جديدة، تحتاج إلى إجابات شّاملة و عمليّة يتوقّف عليها مستقبل "منطقتنا"- قلب "الشّرق الأوسط" و قلب العالم - و مستقبل "النّظام العالميّ" برمّته.
و "المسألة الكرديّة" واحدة من المسائل الاجتماعيّة - السّياسيّة المزمنة في المنطقة الإقليميّة المعروفة بإيران مروراً بتركيّا و العراق و نهاية بسورية و «إسرائيل» (أيضاً)، نظراً لأبعادها الجغرافيّة و الدّيموغرافيّة و ما يترتّب على ذلك من مفاعيل، كان لها حضورٌ مفتعل أكثر منه حقيقيّ أو واقعيّ، اتّخذ له أشكالاً مبطّنة و خفيّة - على الأغلب - في الصّراعات السّياسيّة الإقليميّة في نصف القرن الأخير على أعمّ الزّمان.
هنا سنذكّرُ، تذكيراً، فقط بالشّكل الذي اتّخذه ذلك الحضور في البهلوانيّات السّياسيّة الوظيفيّة و الرّمزيّة منها أو الجادّة، في دور "حركة المللّا مصطفى البرزانيّ" و علاقته "الغراميّة" بـ(إسرائيل) و المواجهة التّاريخيّة المبطّنة التي نشبتْ في المنطقة مروراً بـ"اتّفاقيّة الجزائر" (1975م) بين الرئيس صدّام حسين في العراق و "شاه إيران" و ما تركته من تحجيم إتّفاقيّ للمسألة الكرديّة (و هذا هو الجوهر الثّاني للاتّفاقيّة، بموازاة الهدنة في النّزاعات على الحدود..) و إقصاء لها في التّفاهمات الجديدة آنذاك، بعد أن كان (البرزاني) يتلقى "الدّعم" الواسع من "شاه إيران" و (إسرائيل) سواء بسواء.
و على ذلك كان من المتوقّع أنْ تدفع "الحرب السّوريّة" بالمسألة الكرديّة إلى مستوى جديد من لعبة المصالح السّياسية لدول الإقليم و الجوار إلى أن تبدّت ْكأحد الأقطاب "الرّئيسة" في أوضاع الاستقطاب الإقليميّ و العالميّ للقوى المتصارعة، فبَدَت كقضيّة "قوميّة" للشّعب الكرديّ، في الوقت الذي يجري فيه استخدام هذه "المسألة" من قبل الأطراف المختلفين، كأحد عوامل استدامة و تكريس الفوضى و الاعتداء على السّيادة السّوريّة، لإضعاف أو انتهاك عناصر "القوّة الشّاملة" السّوريّة.
و لا تخفي أميركا و تركيا و (إسرائيل) و دول أوروبيّة عديدة، مع محميّات "الخليج" الدّاعمة للإرهاب، إضافة إلى قيادات و أحزابٍ "كرديّة" و "وإثنيّة " أخرى، قيامها بالاعتداء المباشر على عناصر سيادة الدّولة السّوريّة. و أمّا في الاستثمار الخاصّ للمسألة الكرديّة، فإنّه يجري تصوير المسألة الكرديّة بالنّسبة إلى قطاعٍ واسع من الشّعب الكرديّ على أنّها قضيّة "تقرير مصير" و "استعادة حقوق"، و هذا أمرٌ زائفٌ، في الواقع، لا تنتبه، عادة، إليه، الشّعوب.
لم تكن للأكراد يوماً دولة قوميّة بمعنى "الأمّة": ففي الماضي كان يترامى وجود الشّعب الكرديّ، مختلطاُ مع غيره من الشّعوب، حتّى أوزبكستان و أذربيجان، في المرحلة "السّلجوقيّة"؛ وّ إلى أقلّ من ألف سنة! فالأكراد شعبٌ كأحد الشعوب في هذه المنطقة المسمّاة بالشّرق الأوسط.. التي لم يُهيّأ لها ظروف بناءدولٍ قوميّة ناجزة تضمّ شعوباً تعبّر عن أمم، و ذلك لأسبابٍ تاريخيّة – و عُنفيّة - ليس طرحها هنا، من تماسك السّياق أو قوّة التّعبير.
و ما "دولة" (كردستان) المزعومة في الأدبيّات الكرديّة الانفصاليّة الحديثة و المعاصرة، إلّا عبارة عن منطقة جغرافيّة غير محدّدة، جرى العبث بمدلولاتها الطّبيعيّة من قبل الدّول الاستعماريّة التّقليديّة - كما العبث بكلّ المكان - التي حكمت و نهبت و استباحت المنطقة و ما حولها من الجغرافيا، كالاحتلال العثمانيّ و الفرنسيّ و الإنكليزيّ. و من آثار ذلك ما نشهده جميعاً من تحوّل غنى المكوّن الاجتماعيّ السّوريّ؛ من "إثنيّات" و "أعراق" و فئات أخرى ، بحيث لا يعدو المكوّن الكردي أن يكون أحد تلك المكوّنات الاجتماعيّة العديدة؛ من كونه نعمةً من التّنوّع و التّعدّد، إلى نقمةٍ سياسيّة يجري العمل عليها اليوم في تحفيزات سياسيّة انفصاليّة و وعود زائفة ، تكاد تنطلي على غالبيّة الشّعب الكرديّ لاستخدامه كجسم غريب عن وَحدة العرب - السّوريين التّاريخيّة و الجغرافيّة و السّياسيّة.
و لا يمكن فهم طبيعة و تداخلات و آفاق "المسألة الكرديّة"، و توقّع مساراتها السّياسيّة الواقعيّة، ما لم تجرِ الإحاطة فهماً - و لو بشيءٍ من العموميّة - بالظروف الإقليميّة، بخاصّة، و الملابسات التي تشترطها سياسيّاً، في بيئةٍ و شروطٍ و مصالح مركّبة معاصرة، تعود إلى حرب و صراعات "دولٍ" ذات سيادة، و ليس إلى "قوى" و جماعات أو فئات متنازعة أو إلى صراعاتٍ متكافئة أو طارئة.
يعمل "الأميركيّ" في "الحرب" اليومَ على "العبث" العسكريّ المسلّح المباشر بالجغرافيا السّوريّة الممتدّة ما بين منطقة (منبج) في الشّمال السّوريّ، و إلى الجنوب الشّرقيّ منها في منطقة (الباب) وصولاً إلى الشّرق في مدينة (الرّقّة) مقرّ ما يُدعى بـ "؛الدّولة الإسلاميّة " (داعش):؛ إذ تقوم القوّات الأميركيّة بغزو مباشر لهذه المنطقة، لتحقيق هدفٍ بثلاثة أبعاد؛: الأوّل: تطمين تركيا في منع الأكراد من الانفراد في هذه المنطقة التي يكثر فيها المكوّن الكرديّ، و منعهم من إقامة أيّ كيانٍ جغرافيّ منفرد. و الثّاني: استغلال الأميركيّ للأكراد و زجّهم في إدارة حرب "التّحالف" المزعومة على "داعش" و توجيه الوحش الإرهابيّ و التّحكّم فيه و توظيفه ضدّ مشروع تحرير الأراضي السّوريّة من "الإرهاب". و الثّالث: تثبيت التّمركز والوجود الأميركيّ نفسه في "المنطقة" داعماً مايُسَمّى "قوّات سورية الدّيموقراطيّة" (قسد) (في منبج و الطّبقة و الرّقّة..) بوصفها يغلب عليها القوات المسلّحة الكرديّة، إلى جانب "قوّات درع الفرات" (في الباب) المؤلّفة ممّا يسمّى بـ"الجيش الحرّ" المدعوم من قبل تركيّا، و ذلك بهدف استراتيجيّ أميركيّ، و هو جعل المنطقة كلّها و الممتدّة إلى الشّرق من (الرّقّة) حتّى الحدود العراقيّة ، منطقةً محرّمةً على المستقبل الوشيك لاندماج الحدود السّوريّة العراقيّة في مشروع "المقاومة"، و فرض الوجود الأميركيّ "ةشبه الوحيد".. "نظيفاً" في العراق لقطع الاستمراريّة اللوجستيّة لحلف "المقاومة" الممتدّ من إيران حتّى لبنان مروراً بالعراق و سورية، و ذلك خدمةً مباشرة لعزل (إسرائيل) عن تداعيات "الحرب" و إبقائها في منأى عن لهيبها المباشر.
و في المقابل، في لعبة الأدوار، يجري استغلال أميركا لتركيّا في زعزعة أوروبّا "أمنيّاً"- فتركيا (أردوغان) أحد متعهّدي الإرهاب العالميّ المعاصر - كعقوبة أميركيّة لأوروبّا، مرشّحَةً للحزم.. على إبداء هذه الأخيرة (و ألمانيا مثالٌ) مع بعض "الإستقلاليّة" في التّعاطي "الإيجابيّ" مع روسيا حول بعض المصالح و الاقتصاديّة بخاصّة، الأمر الذي يُتيح لتركيا (أردوغان) طمأنينةً سياسيّة تتعلّقُ بعدم انتهاء دوره في الاستكراء الأميركيّ له، و هذا ما يشكّلُ استثماراً أميركيّاً لتركيا في الوقت الضّائع التّركيّ، كما يُشكّل، في الوقت نفسه، تهديداً أميركيّاً لأوروبّا يجعل من "الذاكرة الأوروبيّة" أقوى تُجاه روسيا و الشّرق الأقصى (الصّين أيضاً)، لتحافظ أوروبّا على عهودها السّياسيّة لأميركا كإمبراطوريّة إمبرياليّة عالميّة، كلّ ذلك مع إبقاء أميركا لعصا الأكراد التي تحملها الولايات المتّحدة من المنتصف في وجه (أردوغان)!
إذاً فإنّ ما يُسمّى بـ"المسألة الكرديّة" في هذا الإطار، هو اهتمامٌ أميركيّ صغير و تكميليّ للمشهد الدّراميّ في سورية فقط.. و لكن، شَرطيّاً، بما هي سورية - تماماً - العمق العالميّ الذي يجري انطلاقاً منه مشروع إعادة هيكلة "النّظام العالميّ" للقرن الواحد و العشرين.
و إذا أخذنا دور روسيا و إيران و (إسرائيل)، بالاعتبار - و كلّها أدوارٌجوهريّة! - و أصبحنا أمام تعقّد للصّورة يكادُ يكونُ أصعب و أشقّ على الفهم، في الوقت الذي لا تشفع "الصّعوبات" في التّكاسل عن "التّركيز". فالتّفاهمات الرّوسيّة - الأميركيّة حقيقة واردة و ضروريّة. ف هل هذا يعني اتّفاقاً روسيّاً - أميركيّاً يُضحّي بسورية نهائيّاً، فيما تشهد روسيا هذه المغامرة الأميركيّة في سورية؟ لا تُطرحُ العلاقات الاستراتيجيّة العالميّة من وزن العلاقة بين روسيا و أميركا على هذا الشّكل الاختزاليّ للسّؤال. قد تندرج الكثير من العلاقات و المواقف العالميّة في فئة (أعني مجموعة المفاهيم السّياسيّة) المرحليّة و التّكتيكية. و لا يمكن تفسير الواقع القائم إلّا على هذا النّحو و في هذا الإطار.
السّؤال المطروحة، إذاً، حين تكون سورية كلّها - بما هي ما هي عليه للعالم اليوم:َمن جوهريّة تحريكيّة و حركيّة - على هذا القدر من الواقع أو الدّور المتوتّر و الحسّاس، الذي يشكّل أمراً واقعاً في مجريات الحرب و العالم، فأيّة "مسألة كرديّة" هذه التي يظنّ أحدٌ في العالم، كائناً من كان، أنّها تدخلُ في حسابات القوى الوازنة و الدّول في الحقائق العمليّة الجادّة و الكبيرة؟!
في الجواب تبدو "المسألة الكرديّة"، عمليّاً، مفردةً صناعيّةً "أوّليّة" في حرب الاستراتيجيّات الكبيرة و حسب.. إيران ، أيضاً، ليست بعيدة عن مواكبة هذه التّفاعلات و التّطوّرات. فعدا عن كونها مطمئنّة لواقع "الخلاف"، الجِدّيّ أو الهَزلي، بين (تركيا) و (إسرائيل) على نشوء "الكيان الكرديّ المستقلّ" في "كلّ" الجغرافيا السّياسيّة الكرديّة المزعومة، بحيث لا تُضطر - هنا - أيضاً، (إسرائيل) لمعاداة و خسارة حليفٍ استراتيجيّ مثل (تركيا) من أجل نشاطاتٍ تكتيكية وقائيّة (جيوبوليتيكيّاً) بدعمها للأكراد من أجل "الدّولة".. تبعاً لجوهريّة الموقف التّركيّ الرّافضلكيان "والدّولة الكرديّة"؛ فإنّ (إيران) تراقبُ الأمر بأهميّةٍ جيوبوليتيكيّة تجعلها داعمةً أو مؤيّدةً لموقف تركيا المعلن ضدّ قيام كيانٍ كرديٍّ مستقلٍّ على أرض (كردستان) المزعومة تاريخيّاً، لأنّها متضرّرة أيضاً من قيامه، فيما تواجه - (إيران) - مهمّة "فنيّةً - سياسيّة" (و هنا نصلُ إلى الدّور "الإسرائيليّ") يمكنُ وصفها بإضعاف الدّور "الإسرائيليّ" الحالّ أو المحتمل في منطقة "الخليج" عن طريق "الاستيعاب" الاستراتيجيّ لمملكة "آل سعود" و المحميّات الرّجعيّة التي تلفّ لفيفها، هذا الدّور (الإسرائيليّ) الذي قد يشكّلُ دعامة استراتيجيّة لمشروع الدّولة الكرديّة، مع علم الجميع بالعلاقات الإيجابيّة - على الأقلّ- بين (إسرائيل) و (أربيل)، اليوم، كما العلاقات التّركيّة مع (أربيل) أيضاً، الأمر الذي لا يغيّر من موقف تركيا إزاء "الأكراد - الدّولة" -، بينما يشكّل تهديداً "إجرائيّاً"- على الأقلّ - للعراق و دول الجوار.
و أمّا موقف سورية - الدّولة، التّاريخيّ، من "المسألة الكرديّة" فهو على جانبٍ كبيرٍ من الوضوح و الصّراحة و الحزم. فالمكوّن الكرديّ هو واحد من مكوّنات "شعب الدّولة" في الجمهوريّة العربيّة السّوريّة، و هو لا يتجزّأ أو ينفصل عن كونه جزءاً من عناصر "الدّولة"، له حقوق "المواطنين" المكفولة في "الدّستور"، بغضّ النّظر عمّا لحق "السّياسة التّقليديّة" و استقرّ نسبيّاً من قناعات متوارثةٍ منذ عهد الاحتلالين العثمانيّ و الفرنسيّ لسورية، تركت أثراً ثقافيّاً سلبيّاً على شخصيّة الأكراد في تاريخ المكان.
إنّ "الفيدراليّة" التي هي أحد ظنون الكثيرين من الأكراد، كحلّ "طَموحٍ" و سورياليّ لإقامة "الدّولة" المستقلّة، و التي "يُطنطنُ" البعض لها، أيّاً كان "هذا البعض" أو كانوا، هي ليست أكثر من "جَزرَةٍ" أماميّة.. لاستثارة أوهام البعض الأكثر سذاجة من الأكراد السّوريين.
كنّا قد تحدّثنا مراراً أنّ "الفيدراليّة" الاتّحاديّة هي الشّكلُ السّياسيّ أو "الوصفة" السّياسيّة من أجل "شكل الدّولة" الذي يجمع التّشتّت و الضّعفَ و يقضي - بقوّة الاتّحاد- على "التّخلّف"، بدلاً من أن يفتّت "الدّولة الواحدة" فيبعثُ فيها الضّعف و التّخلّف و التّجزئة و الانقسام.
إنّ سورية تعتبر كلّ حركةٍ أو محاولةٍ من هذا القبيل (من أجل "فيدراليّة" سوريّة أو غيرها) محاولة "انفصاليّة" و تجزيئيّة للشّعب العربيّ السّوريّ و الأرض و القوّة و الجغرافيا، و باختصار لعناصر تكوين الدّولة في سورية. و سوف تقابلها الدّولةُ السّوريّة مواجَهةً بكلّ وسائل و أدوات السّيادة للدّولة المعاصرةمن قوّة و عنفٍ مسوّغ و مشروع، تطبيقاً و التزاماً بأحكام دستور البلاد في حماية الوطن و مقوّمات الوطن من الاعتداء الخارجيّ أو الدّاخليّ على السّواء.
و من نافل القول إنّ أيّ تواجدٍ غريبٍ عسكريّ مسلّح أو سياسيّ على أراضي الجمهوريّة العربيّة السّوريّة من دون موافقة الدّولة السّوريّة و الشّعب السّوريّ، إنّما هو غزو صريح و احتلالٌ مباشر لا يحتاج إلى نقاشٍ، بما في ذلك الوجود الأمريكيّ اليومَ على أرضِ الدّولة بدون تفاهم أو تنسيقٍ مع الدّولة السّوريّة. و للدّولة و الشّعب السّوريين العمل و المقاومة و الدّفاع عن السّيادة بكل الوسائل المتاحة و الممكنة و هي كثيرة ، بدءاً من المواجهة المسلّحة، فالممقاومة الشعبية ، وصولاً إلى حقّ الدّولة بالاستعانة و الاستقواء بالحلفاء و الأصدقاء.
إنّ الماضي القريب للتجارب الأميركيّة الفاشلة في الغزو و العدوان على الشّعوب و السّيادات، ما زال شاهداً في (فييتنام) و (أفغانستان) و (العراق).. هذا على الأقلّ. و إذ يُثبتُ الشّعب العربيّ السّوريّ و جيشه العظيم، قوّةً و صموداً و بسالةً و تضحياتٍ عزّت و عزّ نظيرها في تاريخ العالم.. – و هذا باعتراف الجميع -، فإنّ تجارب الشّعوب الباسلة في المقاومة و التّحرير، هي بالنّسبة إلينا طريقٌ مجرّبةٌ ، إذاً، و سالكة!
و كما هو الأمر في عالم "الفيزياء الصّغيرة" حيث أنّ "الأجسام" تكون مشروطة بِدَوَالٍّ، منها ما هو معلوم و مفهوم و منها ما هو خارج كلّ توقّعات جميع العلوم في آن واحد، فإنّه كذلك هو الأمر على "التّحالفات" و القوى و المفاجآت و المفاعيل في ظروف الحروب، التّي تتّخذ لها مسارات و أوضاعاً معقّدة و متداخلة و متشابكة و متطاحنة، كما هي في الحرب السّوريّة اليوم.
ثمّة شيءٌ ما، أو أشياء، خارجَ جميع الحسابات و التّوقّعات.....
فإذا قبلنا هذه الموضوعة - و هي لا يمكن دحضها على كلّ حال!- و فهمناها على ما ينبغي ، فإنّ علينا أن نتوقّع - مثلاً - مساراتٍ أخرى للحرب و أولويّاتها و بعضَ ضحاياها الجُدُد.. و "الأكراد" أوّل المرشّحين ليكونوا ضحيّة "السّياسات"!
تعلّمنا العلوم "الدّقيقة" و "الفلسفات" الرّصينة، بأنّ المفاجآت كامنة في الطّبيعة، و في السّيرة المُحدّدة - في مطلق "سيرة" ـ كما هي كامنة في مسيرة الدّول و الشّعوب في الحرب و السّلام. و ليس من قبيل التّمنّي أو الرّغبة، أن نشهد تحوّلاتٍ كبيرة بزوايا مفاجئة في واقع هذه الحرب. و من أبسط الاحتمالات أن تحدث زلازلُ سياسيّة أو ميدانيّة في إطار الحرب، تجعل من المحفوظات السّياسيّة - مع قوانين التّوقّع و الاحتمال في السّياسة - أمراً بعيداً كلّ البعد عن منطق التّفكير.. إنّه لا يصحّ "المنطق" نفسه، بالمطلق الفلسفيّ السّياسيّ، أمام إدهاش ما هو غير متوقّع.
ببساطة ربّما تصبح، في لحظة من الّلحظات النّادرة أو التي هي من خارج الإدراك، جميع التّنظيرات السّياسيّة، غير واقعيّة و لا معقولة أيضاً.
إنّ "تجربة" سياسيّة أو عسكريّة واحدة، أو مغامرة "استراتيجيّة" محدودة، كفيلة بأن تحوّل "المكان" - ببساطة - إلى صورة عبثيّة من صور التّخطيط الأميركيّ، أو غير الأميركيّ.. و عندها سنكون أمام لغةٍ أخرى للسّياسة.. كفيلة بجعل كلّ ما تقدّمَ، و بخاصّة على مواجهة الوقائع الميدانيّة المستحدثة، شيئاً من قبيل رياضة الأفكار...!؟

