نظراً لتعقّدها و تركيبها، لعلّ "الحرب السوريّة" ستدخل التّاريخ - أو أنّها دخلت - بعنوان "المسألة السّوريّة"، على غرار كلّ المسائل التّاريخيّة التي عمَّتْ آثارُها جغرافيّتَها الخاصّة و تجاوَزَتْها إلى العالم كلّه. و علاوةً على التّقاطعات و التّداخلات العسكريّة، فإنّ التّشابكات السّياسيّة في "الحرب" هي التي تشرح أكثر فأكثر طبيعة تعقيد "التّحالفات" و التّناقضات و المصالح و الأهداف، بين مختلف القوى المتصارعة، بعد أن أخذت "الحرب" طابعاً متعدّداً و مركّباً ، إقليميّاً و دوليّاً ، واضحاً في الجانب العسكريّ و البعد السّياسيّ في وقت واحد.
يمكنُ أن نقول إنّ ثمّة تناقضات و تقاطعات مصالح و انفراد أهداف، تبعاً للأطراف، و "تشارطاتٍ تركيبيّةً" لأبعاد وقائع و أدوات و أهداف الصّراعات، بحيث أنّها تبدو و كأنها يبطّنها علاقات من "التّواطؤ" ما بين الأطراف و القوى و الدّول، و في أقلّه أشياء تبدو غير مفهومة. لا توجد مرجعيّة تفسيرٍ واحدةً تضمن لنا الإدراك الخطّيّ أو المباشر لأحوال الأوضاع في عموم "الحرب السّوريّة" و بخاصّة كما هي في "الشّمال السّوريّ". في هذه "التّشارطيّة" يبدو أنّ ثمّة تفسيراتٍ شرطيّة للعلاقات المتداخلة.. بمعنى أنّ فهم علاقة طرفين من القوى أو الدّول، أو أكثر، لا يمكن أن يتمّ - حقيقةً - إلّا مع إدراك بقيّة العلاقات الثّنائيّة أو المتعدّدة في الطّرف الآخر.. أو بالأحرى في الأطراف الأخرى، أيضاً.
1 - تقف أميركا و آخرون إقليميّون، على الأكيد، وراء الكثير ممّا نعيشه اليوم على جبهة سورية الشّمالية.
2 - لتركيا أطماعٌ تاريخيّة في سورية.. و قد تجدّدت هذه الأحلام مع ظروف الحرب التي تبدو لتركيا أنها سانحة لتحقيق الحلم. و لكنّ تحقيق "الحلم التّركيّ" تشترطه مجموعة من الظّروف و التّوافقات و التّواطؤات و الاستحالاتُ أيضاً.
فأمّا عن الظّروف، فإنّ ما يحدّ الطّموح التركيّ هو أوّلاً المواجهة العسكريّة مع مقاومة الشّعب السّوريّ الذي لن يسمح لتركيا بالاعتداء على سيادته، و لو أنّ لسورية اليوم أولويّات ملحّة أخرى على جبهات المواجهة و القتال. و أمّا بالنّسبة إلى التّوافقات، فليس من السّهل أو البسيط على تركيا اقتطاع الشّمال السّوريّ، دون تحييد سورية و إيران و روسيا معاً، على فرض أنّ تركيا قد ضمنت الموافقة الأميركيّة على مشروعها على الأرض.
و لكنّ ما يجعل الأمرَ مُسْتَبْعَداً أميركيّاً، هو وجود قوات (قسد) التي تعادي هذا الحلم التركيّ، لأنّه سيكون نهاية وجوديّة خالصة للتواجد الكرديّ في المنطقة الكرديّة السّوريّة. إضافة إلى أن (قسد) مدعومة مباشرة من أميركا، و هي مخترقة إقليمياً بشكلٍ تفصيليّ من قبل جميع الأطراف ذات المصالح في الحرب.
و علينا أن نتذكّر دوماً أن (قسد) ليست قوّة واحدة منسجمة فهي تحالف يضم ميليشيات كردية وعربية وسريانية وأرمنية وتركمانية، بما فيها ما يُسمّى "وحدات حماية الشعب الكردي"، و هذا ما يبعثُ في داخلها تناقضاتٍ و مصالح مختلفة و متعدّدة، تبعاً لتعدّد الدّاعمين أو المشغّلين أو الأوصياء أو المموّلين. و هنا يجب أن ندركَ أنّ تماسك (قسد) كقوّة محاربة ، هو قائم في وجه المشروع التّركيّ في المنطقة إيّاها، إضافة إلى أنّه يقوم في وجه تمدّد (داعش) المدعوم من تركيا، على غير ما تريد أميركا إدارته على نحو يختلف مع صيغة ولائه لتركيا، كما هو اليوم على الأغلب.
هنا تبدو التّواطؤات أمراً ممكناً ما بين الأطراف، و لكنّ أحداً من أطراف الحرب لن يُغامر بما هو بين يديه من "مكاسب" وهميّة، من أجل مشاريع هي بحكم العدم! ينطبق هذا الأمر على الجميع، بمن فيهم الحلفاء و الشّركاء.. إنّ للجميع رؤية و فهمًا سياسيًّا كافيين، للتّريّثِ المناسب عند "النّقلة" الثّانية على رقعة الحرب! لهذا فإنّ هناك ما يمنع جميع العابثين، و منهم تركيا بطبيعة الحال، من التّورّط بمشاريع ليس لها آفاق أو توافقات داعمة لدرجة أنها تبدو هي و المُحالاتُ سواء.
3 - تشكّل هذه التّناقضات العسكريّة و السّياسيّة المباشرة، حالةً من الطّمأنينة بالنّسبة إلى إيران و روسيا (و سورية و لو مرحليّاً). فيما تنظر روسيا و إيران بعين الحذر إلى التّناقضات و التّفاهمات معاً في المنطقة. بل وربّما لا تمانع روسيا في أن تدفع أميركا بقوّة و عتاد و عديد عسكريّ أكبر و حضورٍ مباشر بريّ في خريطة الصراع على الشّمال السّوريّ، للانغماس في أرض الحرب المباشرة. و أما إيران فمتضامنة ضمنيّاً مع تركيا في الموقف ضد (قسد) بوصفها نواة مزعومة لكيان الدّولة الكرديّة الافتراضيّ. و الأمر نفسه ينطبق على سورية في "التّاكتيك" المرحليّ..
و هكذا نجد أنّ المصالح الإيرانيّة - التّركيّة - السّوريّة تتقاطع في هذه "الجزئيّة" التي تنفتح على استراتيجيّة سياسيّة، يمكن استثمارها على غير صعيد و في غير مكان، و بخاصّة بين تركيا و إيران. هذا بعد أن وقفنا على تقاطع بين أميركا و سورية و روسيا و إيران على هدف لجم التّركيّ عن أهدافه و بخاصّة فيما يتعلق ببحث التّركي عن إضافة جيوبوليتيكّيّة على الأرض، بعد أن فشل بالالتحاق بالاتّحاد الأوروبيّ، ما يعني في هذه الجزئيّة الاستراتيجيّة، أن "النّاتو" قد يترك التّركيّ لقدرِهِ في مواجهة الأكراد و الكيان الكرديّ "الوشيك". لا يستطيع التّركيّ مواجهة مصيره من دون ملحقاتٍ غربيّة و أميركيّة و إسرائيليّة.. و هو يُفضّل "الانتحار" السّياسيّ و العسكريّ على انتظار المصير المحتوم! إنّ تركيا اليوم ليست في موقف عسكريّ أو سياسيّ تُحسَدُ عليه. نستطيع ممّا تقدّم أن نفهم دوافع و خلفيات الأطراف في ظرفٍ خارقٍ للقواعد المصيريّة و التّاريخيّة في ظروف هذه الحرب، ما يُفسّر لنا الكثير من الأساليب و الأدوات و الأهداف التي يعمل فيها و عليها التّركيّ.
4 - و حيث تعمتد تركيا أساساً في تواجدها العسكري هنا، على عصابات "الجيش الحر" و من ينضوي في مشروعه الانفصاليّ من الفصائل الإرهابيّة الأخرى (داعش مثلاً) التي ليس لها مشروع خاصّ بها في أهداف الحرب (نحن لا نرى داعش حاملة لمشروع على رغم أنّها "تنظيم الدّولة" المستحيلة!)؛ فإنّ أميركا، على النّقيض من ذلك، تعتمد أساساً في تواجدها العسكريّ المباشر، على (قسد) مع أنّها قوّة غير مقرِّرة على الأرض، إذا حذفنا منها "فصائلها" الأخرى التي تنضوي تحت لوائها، في تناقضات مبيّتة ما بينها جميعاً، تبعاً لولاءاتها في الاختراق القائم فيها، كقوّة واعدة للتشغيل و الاستثمار، في أهداف و مشاريع قد تكون متناقضة و متناحرة في حين.
5 - أمّا روسيا و أمريكا، فكلاهما في حرب على أراضي الغير.. ونحن لا نُساوي هنا بين الرّوسيّ و الأميركيّ، فهذا شيءٌ يجب أن يكون قد أصبح وراء الجميع. و لكنّ ما نريد قوله، هو إنّ كلّاً من الرّوسيّ و الأميركيّ غير مُهَدّدٍ مباشرة بالاحتلال، و لهذا نجد أنّ التّفاهمات التّاكتيكيّة ممكنة بين الطّرفين على ألّا تأخذ الحميّةُ أحداً، فيُسقط هذا "التّفاهم" الضّمنيّ المرحليّ على الاستراتيجيّة بين الطّرفين، الأمر الذي يُعتبر إهانةً أخلاقيّة لروسيا، لا أظنّ أنّها محلٌّ لها و لا يمكن أن تكون. ف لا اتّفاقات بين روسيا و أميركا و إنّما تفاهمات لا يمكن أن تصل إلى التّواطؤات. لقد ربطتنا مع روسيا أكثر من تجربة من هذا القبيل منذ أن بدأت الحرب و حتّى الآن.
6 ـ في هذه الصّورة المركّبة لا يكون، بعدئذٍ ، من الوارد أن نبحثَ عن فهم سهلٍ أو سريع و ساذج من قبيل أن سورية عاجزة عن الحسم.. أو أنّ روسيا متواطئة.. أو أن إيران مستهترة. إنّ جميع هذه التّصوّرات هي أَولى بفهم رفاق الشّوارع في ألعابهم الضّارية التي تصلُ إلى حدّ الجريمة أحياناً، و أحياناً أخرى إلى حدّ الفراق و القطيعة الأبديّة!
فأمام هذه التّداخلات و التّشابكات و الاشتراطات، لا يكون لأحد مصلحة مباشرة في الحسم بصدد مشاريع جنينيّة لم تأخذ أبعادها القصوى على الأرض، أو في إعلان مضمون الأهداف و الخطط و الأدوات. و قد يستغرب البعض أن نقول إنّ سورية حصراً هي أكثر الأطراف ربحاً جرّاء التّريّثِ و الاستعداد بصمتٍ لما يجري و لما سوف يجري أيضاً، من توضّعاتٍ و مواجهات في الشّمال. و أمّا الخاسرُ الأكبرُ فهم الأكراد أنفسهم، ما لم يستوعبوا تعقيدات الظّرف و يُدركوا أنّه لا أفق لدولتهم الموعودة و لا ضامن لهم في هذا السّياق، و سوف يليهم التّركيّ في خسارة أكيدة.
في مثل هذه الظّروف المسلّحة و السّياسيّة المعقّدة في مناطق الحرب السّوريّة..، يكون من الأفضل أن نجرّب قاعدة: انتظر لترى ماذا سيقدّم المستقبل القريب! و من الطّبيعيّ أن نؤمنَ بأنّ هذا التّريّث هو الحلّ الممكن الأفضلُ، مع الاستعداد الأقصى للأسوأ، ناهيك عن أنّ هذاربّما يكون الحلّ السّوريّ الوحيد مرحليّاً، أمام اشتباك الآفاق و التّشابكات على الأرض، ما لم تكن الحمافات هي الموجّه أو المرشد في العمل. مع أنّنا لا ننسى أنّه في أساسِ هذا الخيار المرحليّ السّوريّ، إنّما تكمن أولويّاتٌ أخرى في المواجهة المباشرة مع الإرهاب و الإجرام، و من ضمنها مخطّطاتٌ هي الأخرى خطرةٌ على الوطن، في الكثير.. الكثير من مواقع القتال المباشرة الذي تخوضه سورية اليوم.
من المفترض اليوم أن يكون السّوريّون قد تجاوزوا مرحلة الصّدمة التي تنالُ من الثّبات، و بخاصّة بعد ما حصل من كلّ هذا التّطويع للميادين المختلفة. و من المفترض أنّ سورية قد تجاوزت، في خبرتِها الحربَ، جميعَ الافتراضات الكارثيّة البعيدة عن أرض الواقع. ولا يمكننا هنا إلّا أن نعتقد، أنّه طالما بقي البعضُ من السّوريين و غيرهم يتناولون الأمور على قاعدة الظّنون و عدم الثّقة بأنّنا قادرون على مواجهة كلّ أشكال المشاريع و الحروب، فإنّنا نكون كمن يتآمر على النّفس و الوطن، فيزكّي الأعداء و المتربّصين بسورية مواقف مجانيّة يجب أن يدفعوا ثمنها حياتهم و وجودهم أيضاً. و هذه هي ثقتنا بالحاضر و المستقبل، مهما أوحتْ لنا الّلحظة بالعكس.
و إذا كان من المغالطة الحديث عن نهايات و تحوّلات ديموغرافية و جغرافية، في الشّمال السّوريّ- و في أرجاء سورية - ممّا هو لا يمكن الجزم به على وجه الاستقرار و الحصر.. فإنّه قد يكون من المبكّر أن نقوم بأشكال مستحدثة من المقاومة للمشاريع الخارجيّة. كثيرة هي المشاريع في المنطقة التي بقيت على ما هي عليه، دون أن تتحقّق على الأرض.. و نذكر منها مشروع "الهلال الخصيب".. و "مشروع إيزنهاور" و "حلف بغداد"، و غيرها من المشاريع غير المعلنة.
لا تتبع السّياسةُ النّاضجة التّفاصيلَ و الجزئيّات، و إنّما هي رهن النّهايات التي تحمل في طريقها المفاجآت.. و ربّما كانت نهايات هذه الحرب أبعدَ من أن تكون قيد النّظر و التّفسير.

