(مرة ثانية.. مع "إدارة الفساد")
1- كم يثير الإستغراب، بعض الأصدقاء الذين ثارت ثائرتهم وهاجت هائجتهم وماجت مائجتهم، لمجرد سماعهم بمصطلح "إدارة الفساد"..
2 - مع أن هذا المصطلح، لا يعني من قريب أو بعيد، العمل على شرعنة الفساد، ولا الإشادة به، بل يعني الإعتراف بوجوده الموضوعي في جميع بلدان العالم..
3 - و يعني مواجهته، بدلا من الدعاء عليه وبدلا من تدبيج القصائد لهجائه وبدلا من اصطناع الترفع عن ملامسته أو الإقتراب منه.
4 - ويعني ضرورة أن تكون مواجهته منظمة، من حيث إدارة وجود الفساد المتغلغل في الأرض، بما يخفف من وجوده شيئا فشيئا، و بحيث يجري الخلاص، ما أمكن، من مكامن الفساد الكبرى، فمكامن الفساد الوسطى، وصولا إلى مكامن الفساد الصغرى.
5 - وأما التوهم بإمكانية اجتثاث الفساد، بضربة واحدة وبعقوبة صارمة واحدة لأحد أو بعض الفاسدين، فأمر طوباوي يعيش أصحابه خارج هذا العالم.
6 - والأمر الثاني هو تباهي البعض بالحرب الشعواء على الفساد في أوربا وأمريكا.. مع أن الفساد متجذر في جميع خلايا الإقتصاد الغربي، ولكنه مشرعن، تحت إسم "عمولة" أو "بونس" أو "مكافأة" أو "نسبة معينة" أو أو أو....
7 - ومع ذلك فالفساد "المتحضر" و "الجذاب" و "المغري" هو الزيت الذي يحرك آلة الإقتصاد الغربي.
8 - ونسأل أولئك المبهورين بأوربا وأمريكا، أن يقولوا لنا: ما هو تفسيرهم لشخص مصرفي أمريكي إسمه "مادوف" اختلس منذ عدة سنوات "62" مليار دولار فقط، بالتواطؤ مع عدد من المسؤولين الأمريكان.. ومع ذلك جرى تمرير الموضوع وكأنه إثنان وستون دولارا فقط.
9 - وما هو تفسيرهم لظاهرة "الرهن العقاري" في أمريكا، التي ابتلعت دفعة واحدة، منذ عدة سنوات فقط، آلاف مليارات الدولارات.. وتبخرت مدخرات ملايين البشر هناك، بين عشية وضحاها..
10- وأما تلك الأضاحي الجانبية التي يقدمونها للتستر على ذلك "الفساد المشرعن" بين آونة وأخرى، فهي ليست أكثر من ذر للرماد في العيون.
***
(الفساد.... وما أدراك ما الفساد؟!)
قد يستغرب كثيرون، وهم على حق في استغرابهم، في ما سأقوله الآن:
1 - لا يمكن القضاء على الفساد، ولكن لا يجوز الإستسلام له و أمامه.. فالفساد موجود في جميع بلدان العلم، ولو بدرجات متباينة.
2 - بل يمكن إدارة الفساد، بما يضع حدا للفساد الذي يشكل كارثة على الد ولة و الشعب.
3 - وأما تجاهل وجود الفساد والإصرار على أن هناك إجراءات قائمة لمعالجته، بينما هي غير موجودة على أرض الواقع.. فهذا أمر يساهم في بقاء الفساد..
4 - وأما "الفساد" الذي يخدم مسار العمل في الدولة ولا يستفز الشعب.. فهذا أمر آخر.
5 - ومع أن الفساد، كائنا ما كان نوعه، غير مقبول اخلاقيا.. ولكنه موجود واقعيا.
6 - فالمطلوب، شعبيا، هو الحد من الفساد، بما لا يجعل منه سيفا مصلتا، على لقمة عيش المواطن.
7 - ناهيك عن عدم قبول أغلبية الشعب بوجود رموز متعفنة للفساد، تزايد على الشعب، بما تقدمه للوطن و "بتضحياتها" اللامحدودة في سبيل الوطن!!
8 - وقد يستهجن البعض هذا النمط من الطرح، ويرون فيه تشجيعا للفساد، مع أن العكس هو الصحيح.. لأن المبالغة والقول ب(القضاء على الفساد)، تعني تسميد الفساد وإفساح المجال له للتنامي والتوسع.
9 - والمطلوب هو عدم السماح للفاسدين - وما أكثرهم - بتجاوز الخطوط الحمراء ل لقمة عيش المواطن، وعدم السماح لهم بأخذ الوطن إلى الهاوية.. بينما هم غير معنيين إلا بخدمة مصالحهم الشخصية، على حساب الوطن والمواطن.
10 - وقديما قال منذ ألف عام: شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء "أبو العلاء المعري":
وهكذا، كان أمر الناس، مذ خلقوا فلا يظن جهول، أنهم فسدوا

