كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أُبي حسن: د. نوفل نيّوف.. السنديانة التي اشتقنا إلى فيئها

كان شتاء, والأرجح أنّه ذات يوم في أحد الكانونين عام 2003, كان رجلاً أنيقاً مع صبية (علمتُ لاحقاً أنّها ابنة أخته, موظفة في مركز ثقافي بانياس), يجلسان في مكتب الروائي عبد الكريم ناصيف في مبنى اتحاد الكتّاب العرب بدمشق.. كان من عادتي أن أزور أبا فراس من حين إلى آخر في مكتبه ذاك, فالأديب ناصيف دمث الأخلاق وحلو المعشر وخفيف الظل, مرح بطبعه, ومحب لأصدقائه.. في ذلك اليوم الشتوي في مكتبه التقيتُ للمرة الأولى بالدكتور نوفل نيّوف, كان يتحدّث مع الأستاذ عبد الكريم عن رحلته التي طالت فاستغرقت سنوات في روسيا, عرّفنا ناصيف ببعض, ولم تكن تنقص د. نيّوف اللطافة, إذ سرعان ماكتب لي رقم هاتفه على قصاصة ورق وأعطاني إياها (أعتقد أنّ نهايته 910, ويبدأ بـ0933), وبدوري أعطيته رقم هاتفي الجوّال.. طلب مني بلطف ومحبة لا تخفى أن نبقى على اتصال, شكرته, ووضعت القصاصة في جيب سترتي, ومضيتُ..

بعد عدة أشهر, والأغلب في شهر شباط من عام 2004, كنتُ خارجاً من وزارة الثقافة (حيث أدمن زيارة د. علي القيّم) في شارع الروضة, فإذ بي أصادف د. نوفل نيّوف يترجّل من سيارته الزرقاء روسيّة الصنع, فيراني ويناديني باسمي (تغبطني المفاجأة, إذ مازال يذكر اسمي ولم نلتق سوى مرة واحدة, وبالكاد تعرفنا فيها!), أتجه إليه وأسلّم بحرارة قابلني بمثلها وربما أكثر, سألني: "لماذا لم تتصل بي؟", خجلتُ القول له إنّي لم أحفظ الرقم في جوالي, ومازالت القصاصة في جيب السترة (حقيقة, لم أكن أذكر حينذاك أي سترة).. ربما شعر بأنّي لم أحتفظ برقمه كما ينبغي, فتكرّم وكي يداري لي حرجي, وعلّم لي من جواله (كان يحتفظ برقمي!), لحظتذاك سرعان ما احتفظت برقمه في جهازي.. ومنذ تلك اللحظة حتى تاريخ سفره الأخير آواخر عام 2010, غدا د. نوفل أكثر من أخ وصديق وأستاذ (ومازال).. لا أدري عدد المرّات التي نمتُ فيها بمنزله الكائن في ضاحية قدسيا حيث كنّا نسهر عادة حتى وقت متأخّر ونحن نجوب هموم الوطن والتوجّس من القادم الذي أتى بأشرّ مما توقعنا..

بحت له بفكرة كتابي "هويتي.. من أكون؟! في الطائفية والإثنية السوريتين" قبل أن أبدأ به, وأرسلتُ له, لاحقاً, قسماً مما كتبته من الكتاب وهو مخطوط كي أستأنس برأيه.. وقد تكرّم وكتب مقالاً قيّماً -لا أنساه- عن الكتاب بُعيد صدوره.. في الفترة ذاتها, قصصت له فكرة رواية تراودني, فأعجبته فكرتها, وطلب مني الإسراع في كتابتها..

زارني كثيراً في منزلي في القرية (بالمناسبة, هو يعرف منزلي مذ كان مجرد أساسات في الأرض دون أعمدة, وبدهي دون هيكل), وكذلك في منزل أهلي.. في إحدى زياراته لي إلى منزل أهلي, صادف عندي الدكتور صادق جلال العظم وزوجته إيمان شاكر, وتناقش وإياه في قضايا فكرية.. كان ذلك في أيلول 2008.

أستطيع القول, إنّ صداقتنا باتت متينة منذ اللقاء الثاني بجوار وزارة الثقافة (إن لم تخني الذاكرة, كان يومها يقصد صديقه الأديب والبحّاثة محمد كامل الخطيب), وهو صاحب الفضل في ذلك, والفضل ليس ضيفاً عنده, بل طبع متأصّل.. يعرف هذه الحقيقة, كلّ من يعرفه..

لا أذكر, من بعد معرفتنا, أنّه طبع كتاباً دون أن يخصّني بنسخة منه, والأهم كان يقترح لي عناوين كتب ينصحني باقتنائها, وكان يسارع بتعريفي إلى أصدقائه الذين يجد أن معرفتي بهم ستفيدني معرفياً وثقافياً وستغنيني إنسانياً.. من خلال الدكتور نول نيّوف, صارت "بارمايا" قريتي الثانية, وأصبحت منازل آل نيّوف فيها, منازلي, فقد صار شقيقه الأصغر, الدكتور قيس نيّوف أخّاً وصديقاً عزيزاً, وكذلك شقيقه الرياضي السيد توفيق, وقل الأمرّ ذاته في آصف ابن أخته, وكريمته الدكتورة فيروز وزوجها الرائع غيث داود وسواهم من أهل وخلان في "قبالة الماء" حيث يتمرّد الجبل (أبو علي توفيق) على البحر ويتحداه في عاصمة العاصفة "زينة". تلك العلاقة, انتقلت عدوى إلفتها إلى أهلي, فمن النادر أن يمرّ شهر دون أن يسألني أحد منهم عن أخبار الدكتور نوفل والدكتور قيس حيث هما في مغتربيهما, كسؤالهم لي عن بقية أصدقائي في مغترباتهم.. عدا عن تواصل بعض الأهل هنا مع بعضهم هناك(بارمايا), عبر الهاتف, في المناسبات..

عندما سافر أبو شادن, إلى كندا عام 2009 لأوّل مرة, كانت نيّته أن لا يطول غيابه, كان مبرر سفره كما قال لي يومها هو شوقه لحفيدته ابنة كريمته الدكتورة آنا.. كنت وغيري من عارفيه, نفترض (خطأ) أنّه ملّ الترحال, فمن روسيا إلى أقطار المغرب العربي, فكندا التي عاد منها أوّل مرة بعد أن قضى فيها نحو العام, وبالكاد جلس بيننا بضعة أشهر حتى هاجر.. نعم هاجر, ما أقساها من كلمة –على قلوب محبيك- يا صديقي..

ختاماً: أخشى أن يجتاحني إيمان أنّ بارمايا ومقاهي دمشق وشوارعها ومنزل ضاحية قدسيا ومنزل أهلي في القرية لن يجمعونا بعد يا نوفل (مع حفظ الألقاب التي أنت أكبر منها, ومع محبة لايخامرك شك فيها), بيدّ أنّ للبوح تتمة, وللشوق لاحدود.. فهل من آوبة؟ وهل من لقاء؟

* الصورة للدكتور نوفل في كندا, خلال إحدى أنشطة جمعية جلجامش, وإن بدت بصمات سنوات الغربة على محياه إلّا أنّ نظراته مازالت تتحدى المستقبل وهو يعاند السبعين بقلب وعقل الشباب.

المصور الأرمني والبداية
د. خالد الأسعد.. أيقونة من بلادي
فائز بن زَعَل الغُصَين من قائمقام إلى مشارك في الثورة العربية الكبرى
العالم والمصلح الاجتماعي والمربي الكبير الشيخ محمد سعيد النعسان (1867م- 1967م) ح4
الشركس في سلمية ١٩٠١م- ١٩١٦م
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج3
الياهو ساسون
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج2
محمد أرسلان بك - مبعوث اللاذقية إلى مجلس المبعوثان 1908انتخابه واغتياله
المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) - ح1
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس
منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
يوسف بن يعقوب الحكيم الوزير السوري الذي عاش مائة عام وكتب تاريخها