كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشهيد الدكتور محمد الفاضل في الذكرى 44 لاستشهاده

أُبي حسن- فينكس:

 (1919 - 22 شباط 1977)

تحلّ اليوم الذكرى الرابعة و الأربعين لاستشهاد علّامة القانون الشهير الدكتور محمد الفاضل، الذي ارتقى في جامعة دمشق على يد تنظيم الاخوان المسلمين الارهابي.. و قد اعترف الاخونجي أيمن الشربجي في كتابه المسمى على "ثرى دمشق" بمسؤوليتهم -كتنظيم أخونجي- عن اغتيال الدكتور الفاضل (انظر الصورة المرفقة أدناه من الكتاب المذكور)، ذاكراً بعض تفاصيل عملية الاغتيال.

ولد محمد الفاضل في قرية (عين الجاش) طرطوس سنة 1919 لعائلة فقيرة مادياً، وعرف عنه وعن عائلته بالرغم من فقرها الشديد، الكرم والجود الأصيل و المتأصّل.

درس الابتدائية في مدرسة القرية المجاورة التي كانت تبعد 15 كم عن قريته. وكان عليه وهو طفل وحدث -شأنه شأن أقرانه- أن يمشيها يومياً ذهاباً واياباً صباحاً و مساء.

و كاد ذات عودة في ذات شتاء أن يغرق في النهر إبّان اجتيازه له، و ما أنقذه من الغرق هو تشبثه بجذور أشجار ظاهرة من ضفة النهر باتجاه الماء؛ و روى الدكتور الشهيد هذه الحادثة للدكتور الراحل البحّاثة أحمد عمران الزاوي في رسائل متبادلة بينهما عندما كان الأول يدرس في السوربون فيما الثاني ما زال فتى يشق طريقه في الوطن المثقل بالإقطاع و ما ينجم عنه من قهرين اجتماعي و اقتصادي، و كان المثل الأعلى للفتية الطامحين إلى تغيير الواقع هو الدكتور محمد الفاضل.من كتاب على ثرى دمشق لايمن شربجي و اعترافاته باغتيال محمد الفاضل

أما تفاصيل الحادثة أعلاه، فهي - كما سبق أن رواها البحّاثة أحمد عمران الزاوي محطّات في الذاكرة.. د. أحمد عمران الزاوي بالحرف: "بعد ذهابه إلى باريس, وكانت شهرته قد ملأت الآفاق, أرسلتُ له إلى باريس كتاباً ملأته بالثناء على مواهبه. فأجابني بكتاب تحدث فيه عن مرارة الحياة التي كابدها وأهل بيته, وروى أنّه في إحدى المرات وفيما هو ذاهب إلى المدرسة في قرية (بيت شباط), أراد كالعادة اجتياز نهر الغمقة, الذي كاد تدفقه أن يُغرقهُ لولا استعانته بواحد من شرايين جذر إحدى الأشجار القائمة على الشاطئ والذي كان يمتدّ إلى النهر. وأردفإنّه يتمنى هذه البداية لجميع التعساء لكي تكون حافزاً يُحفّزهم على التغيير.".

 كثيراً، ما مشى الشهيد الفاضل، كغيره من أقرانه و من تبعه بجيل (في جبال الساحل السوري)، حافياً في الطبيعة الوعرة فيما كان يحمل بيديه زربوله (صندله الثقيل المصنوع من اطارات السيارات البالية) خوفاً عليه من الاهتراء بفعل وعورة الطريق، و قد كانت حقيبته المدرسية مصنوعة من أكياس الجنفيص الذي خاطته له أمه كي يضع فيها كتابه ودفتره وقلم الرصاص، وزوادة من الطعام البسيط، أما حذاءه فقد كان يتأبطه، خشية التلف سيما أنه الوحيد لديه، وعندما يصل الى مدرسته يباشر بتنظيف قدميه بخرقة زودته بها أمه، ويلبس الزربول ويدخل الى الصف ليتلقى الدرس… وفي المساء يدرس تحت نور الشمعة او مصباح الكاز.

و بالرغم من قهر الحياة و بؤس الواقع، فقد تفوق محمد الفاضل في شهادة السرتفيكا التي كانت تمنح في الصف الخامس، وعلى خلفية تفوقه تم منحه منحة مدرسية على نفقة المعارف (وزارة التربية والتعليم) حيث درس الإعدادية والثانوية في مدارس طرابلس وحلب وكان ينهي كل مرحلة من المرحلتين الاعدادية والثانوية بتفوق… ثم التحق نتيجة معدله العالي وتفوقه بكلية الحقوق بجامعة دمشق (الجامعة السورية) التي كانت حصراً وقتذاك لأبناء الميسورين والذوات والمتميزين علمياً كما هو، وحصل منها على الإجازة في الحقوق سنة الـ 1942 كعادته بتفوق.

سافر بعدها الى فرنسا لإكمال دراسته العليا في القانون بمنحةٍ حصل عليها من الجامعة السورية، ومنها حصل على دبلوم (معهد العلوم الجنائية) سنة 1948، وعلى (دبلوم معهد القانون المقارن)، و(دبلوم معهد الدراسات الدولية العليا) بامتياز.

و مما قيل لي إن والده عندما أراد ارساله لباريس بغية نيل الدكتوراه، قصد أحد الزعماء الاقطاعيين في الساحل السوري، طالباً عونه في تعليم ابنه، فأجابه الزعيم الاقطاعي بالقول: "يا ابراهيم، إذا كان ابني أمير و ابنك صار أمير، فمن سيرعى الحمير؟".

و مع ذلك، تيسرت أمور الفاضل بالرغم من أنف ذلك الاقطاعي، فسافر إلى باريس و حصل على درجة الدكتوراه في القانون عام 1949 بمرتبة شرف.
وفي مطلع العام 1952حصل على منحة دراسية من منظمة الأمم المتحدة لدراسة الأساليب الحديثة في النظم العقابية، ومحاكم الأحداث في غربي أوربة، والاطلاع على مناهج تدريس قانون العقوبات والإجراءات الجزائية، وعلم الإجرام، والتشريعات المالية والاقتصادية والجزائية في الجامعات الأوربية.

والتحق ايضا لمدة قصيرة بجامعة كمبردج في إنكلترا… و حصل عام 1961 على منحة دراسية من (أكاديمية القانون الدولي في لاهاي) للاشتراك في أعمال مركز البحوث الدولية والتعمق في دراسة القانون الدولي.

عُيّن إثر عودته من أوربا عام 1949 مدرساً في كلية الحقوق بالجامعة السورية، ورقي إلى استاذ مساعد، فأستاذ، وأصبح رئيساً لقسم القانون الجنائي وأصول المحاكمات الجزائية عام 1959، فعميداً لكلية الحقوق عام 1964، ورئيساً لجامعة دمشق عام 1976.
وإلى جانب عمله الأكاديمي مارس المحاماة منذ العام 1944، واختير وزيراً للعدل .في عام 1966

روى لي والدي أنه زار (برفقة شقيقه الأكبر) مرة الدكتور الشهيد الفاضل، في منزله، و خلال استقباله لضيفيه في مكتبته العامرة، سأله والدي و هو ينظر إلى المكتبة باندهاش: "هل قرأت كل هذه الكتب يا دكتور؟! فأجابه الفاضل بابتسامة حياء و ثقة: "و علّقت عليها جميعها".
تجاوز نشاط محمد الفاضل العلمي حدود عمله القانوني، فشارك في عضوية عدد كبير من المجالس والجمعيات ومراكز البحوث العلمية، العربية والأجنبية منها.
وكان كل من عاصره يشهد له بأخلاقه الحميدة، ومساعدته للناس، و أحيانا كان يرافع مجاناً عن أناس فقراء أو مغلوبين، خاصة إذا كان متأكداً من براءتهم. إذ لم ينس فقره، كما لم يتنكّر لماضيه.

مثّل سورية في عدد كبير من المؤتمرات العلمية والدولية، العربية والأجنبية، رئيساً وعضواً في وفد الجمهورية وممثلاً لجامعة دمشق

الانتخابات النيابية

لمرة و احدة، و في انتخابات 1954، رشّح الدكتور الفاضل نفسه للمجلس النيابي، و حول ذلك أتى في أدبيات الشيوعيين أنه قبل موعد الانتخابات بيومين التقى المرشح الشيوعي حنا دياب بأحمد ضحية, وهو شيوعي وشاعر ومدرس لغة عربية, فأخبره ضحية: "إن المرشح الدكتور وأستاذ الحقوق في الجامعة السورية محمد الفاضل زار قرى شين والقبو والصويري", فقالوا له: "معك مصاري نصوّت لك, ما معك مصاري لا نصوّت لك", ولهذا قرر الفاضل الانسحاب من الانتخابات, فاقترح ضحية على دياب زيارة محمد الفاضل والاتفاق معه للدخول في قائمة واحدة. أثناء الزيارة, قال محمد الفاضل: "هذا الشعب لا يمكن أن يتطوّر, وأنا لا أريد النجاح عن طريق المال, إضافة إلى أنني لا أملكه". وبعد النقاش وتشجيع دياب للفاضل, اتفق الاثنان على التحالف الانتخابي.

-خُصص لقضاء تلكلخ نائبان, أحدهما مسيحي والآخر مسلم. وتألفت القوائم الانتخابية على النحو التالي: إسبر اليازجي متحالف مع عبد الكريم الدندشي. آل عبيد تحالفوا مع محمد الدندشي. القوميون السوريون تحالفوا مع أحد الدنادشة. سامي الخوري عن البعث العربي الاشتراكي, وهو من جناح أكرم الحوراني, أجرى عدة تحالفات, ثم جاء التحالف الأخير قبل يومين من موعد الانتخابات بين حنا دياب ومحمد الفاضل, وكان محمد الفاضل العلوي الوحيد المرشح, في حين أن نسبة العلويين في القضاء كبيرة.

بعد هذا التحالف قام حنا دياب وبرفقته أحمد ضحية بزيارة قرية القبو, وهما يتجولان في سيارة مجهزة بمكبر صوت (ميكرفون), ويدعوان الناس إلى التجمع في مهرجان تأييداً لدياب والفاضل, لكن مشايخ العلويين في القبو المتحالفين مع الدنادشة حرّضوا الأهالي على مهاجمة السيارة ورشقها بالحجارة, وأُصيب دياب بجرح بليغ في رأسه. وعندما مرّت سيارة دياب من تلكلخ, رشقها الدنادشة بالحجارة. أما سيارة محمد الفاضل, فقد نالت لدى مرورها من تلكلخ عدة طلقات نارية بقصد الإرهاب. و للمزيد حول هذا الجانب راجع  حنا دياب مرشح الاتحاد الوطني لبرلمان 1954 وتحالفه مع الدكتور الشهيد محمد الفاضل

جوائزه وانتاجه المكتوب

منح جائزة الدولة التشجيعية على إنتاجه العلمي عام 1960، عن كتابه الأشهر “الجرائم الواقعة على أمن الدولة” وهو سفر قيم جداً بحسب المعنيين بالقانون.

كما نال جائزة الدولة عام 1968 تقديراً لمؤلفه “التعاون الدولي في مكافحة الإجرام

ألف باللغة الفرنسية والإنكليزية والعربية كتباً وأبحاثاً في مختلف فروع القانون
مثل كتاب (المذاهب السياسية وأنظمة الحكم) و (القضاء الإداري) و (المبادئ العامة في قانون العقوبات) وكتب المقالات المتخصصة في مجلات تخصصية سورية ولبنانية واردنية بشتى التخصصات القانونية.

وكتب لمجلة “النعمة” الدورية لسان حال بطريركية انطاكية وسائر المشرق للروم الارثوذكس مفالات في القانون والقانون الجنائي والقانون الدولي و أصول المحاكمات والتشريع خلال فترة اصدارها منذ 1960-1967

أوسمته


نال الاوسمة التالية:

وسام الاستقلال اللبناني من الدرجة الأولى

وسام التربية الممتاز من الاردن

نال وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة

 
اغتياله

وقد اغتيل رمياً بالرصاص في (حرم جامعة دمشق) على يد الاخوان المسلمين صباح الثلاثاء في 22 شباط سنة 1977عندما كان يهم للدخول إلى مبنى الكلية لاعطاء الدروس لطلابه كالعادة، وبعدها يذهب الى عمله كرئيس لجامعة دمشق. لقد اغتيل بالرصاص أمام طلابه الذين كانوا ينتظرونه خارج الكلية ليرافقوه كعادتهم، وكل منهم يعرض له حاجته وظلامته كالعادة.

كان الحزن محلياً وعالمياً على هذه القامة السورية في القانون التي فقدتها سورية، وجامعة دمشق، والطلاب من سوريين وعرب وموفدين للدراسة في جامعة دمشق. وانتابت المنظمات القانونية الدولية والأمم المتحدة موجة من الحزن و الأسف العارم والاستنكار والشجب.

المصور الأرمني والبداية
د. خالد الأسعد.. أيقونة من بلادي
فائز بن زَعَل الغُصَين من قائمقام إلى مشارك في الثورة العربية الكبرى
العالم والمصلح الاجتماعي والمربي الكبير الشيخ محمد سعيد النعسان (1867م- 1967م) ح4
الشركس في سلمية ١٩٠١م- ١٩١٦م
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج3
الياهو ساسون
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج2
محمد أرسلان بك - مبعوث اللاذقية إلى مجلس المبعوثان 1908انتخابه واغتياله
المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) - ح1
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس
منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
يوسف بن يعقوب الحكيم الوزير السوري الذي عاش مائة عام وكتب تاريخها