عالِمة نصيرية في الدولة الحمدانية العلوية: مريم الإجلية
2026.04.09
عالِمة علوية نصيرية في قصر حلب في الدولة الحمدانية العلوية – القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي): مريم الإجلية
التاريخ: القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي)
المكان: حلب، سوريا، الدولة الحمدانية العلوية
بينما كانت أوروبا تحاول أن تجد طريقها في ممرات العصور المظلمة، كانت العلوم والفنون والفلسفة في الشرق تتلألأ كالشمس. في الأراضي الإسلامية الممتدة من بغداد إلى الأندلس، كانت المكتبات تمتلئ بالكتب، وكان علماء الفلك يرسمون خرائط السماء في الرصديات. في قلب هذا النشاط العلمي المكثف، كانت امرأة تعمل في قصر أمير حلب من العلويين الحمدانيين، سيف الدولة، يديها مغطاة بالحبر ومسحوق النحاس. هذه الشخصية، المتميزة بين ضجيج المطارق وصرير المعادن، كانت مريم الإجلية (مريم المسترلابي)، التي نقشّت حدود الزمان والمكان على ألواح النحاس.
اليوم، ونحن نستخدم نظام تحديد المواقع في هواتفنا الذكية لتحديد اتجاهاتنا، فإننا في الحقيقة نستخدم إرثًا لتكنولوجيا شكلتها أطراف أصابع مريم منذ ألف عام. دعونا نلقي نظرة عن قرب على قصة هذه العبقرية التي جعلت السماء في راحة يدها، من المعدن وغبار النجوم.
ابنة الأب: موهبة نشأت في الورشة
تبدأ قصة مريم مع والدها الإجلي، الذي كان تلميذًا لدى أشهر صانع مسترلاب في بغداد، بيطولس (نستولس). نشأت مريم الصغيرة بين ألواح النحاس والفرجار والمسطرة في ورشة والدها، بدل اللعب مع الأطفال الآخرين.
في ذلك الوقت، كان "العلم" عادة عائلية، لكن دخول الفتيات إلى مجالات الهندسة التي كانت تُعتبر "رجالية" لم يكن شائعًا. مريم كانت استثناءً؛ فقد لاحظ والدها ذكاءها الحاد ومهارتها اليدوية، وعلمها ليس فقط كيفية معالجة المعادن، بل أيضًا الرياضيات الفلكية المعقدة، حركة النجوم، وعلم المثلثات.
ما هو المسترلاب؟ "الهاتف الذكي للعصور الوسطى"
من دون فهم الأداة التي كرّست مريم حياتها لها، لا يمكن إدراك عبقريتها. المسترلاب، أو "حامل النجوم"، لم يكن مجرد بوصلة. إنه آلة فلكية ميكانيكية:
لتحديد اتجاه القبلة
لحساب أوقات الصلاة
لتحديد مواقع الشمس والنجوم
وحتى لقياس ارتفاع الجبال أو عمق الآبار
كانت المسترلابات التي صنعتها مريم ليست عملية فحسب، بل قطعًا فنية أيضًا. رسم خرائط النجوم المعقدة على أقراص معدنية دوّارة بدقة عالية كان يتطلب براعة هندسية وحرفية ذهبية.
مهندسة في قصر حلب
وصلت شهرة مريم إلى مسامع أمير حلب الحمداني العلوي، سيف الدولة (حكم 332–356 هـ / 944–967 م)، المعروف بتقديره للعلم والفن، وملء قصره بالشعراء والعلماء.
أبهرت دقة تصاميم مريم وحساباتها الإمير، فاستدعاها إلى القصر وعينها رئيسة صانعي المسترلاب في القصر. تخيلوا؛ في القرن الرابع الهجري، في قصر يهيمن عليه الرجال، كانت امرأة مسؤولة عن صنع أكثر الأجهزة العلمية تعقيدًا.
لم تقتصر أعمال مريم على صناعة المسترلاب، بل طوّرت مبدأ عملها، ما ساعد البحارة على الإبحار دون ضياع، والفلكيين على متابعة السماء بدقة أكبر.
سجلات ابن النديم: شهادة التاريخ
معظم ما نعرفه عن مريم الإجلية يعود إلى موسوعة الفيهرست لابن النديم، الببليوغرافي والكاتب البارز في القرن الرابع الهجري.
يذكر ابن النديم:
"وكانت لابنة الإجلي، تلميذ بيطولس في صناعة المسترلاب، مكانة عند سيف الدولة، وكانت أدواتها رائعة الصنع ودقيقة جدًا."
هذه الجملة القصيرة تنقل اسم مريم من صفحات التاريخ المجهولة إلى يومنا هذا. إنها من النساء القلائل اللواتي ذُكرت أسماؤهن صراحة في تاريخ العلم الإسلامي.
إرث خالد في السماء
كرست مريم حياتها لفهم السماء. كمفارقة القدر الجميلة، أُطلق اسمها على الكويكب 7060 "Al-'Ijliya" الذي اكتشف في مرصد بالومار عام 1990. وهكذا، تواصل مريم الدوران بين النجوم التي نقشّت اسمها عليها.
قصة مريم الإجلية تثبت أن تاريخ العلوم ليس حكرًا على الرجال، وأن النساء لعبن دورًا أساسيًا في العمليات التكنولوجية المعقدة منذ أكثر من ألف عام. كسرت الأفكار المسبقة عن كون التكنولوجيا "رجالية" بخبرتها ومطرقتها قبل ألف عام.
عندما ترى اليوم فتاة في كلية الهندسة أو امرأة تراقب السماء بالتلسكوب، تذكّر أنّ نور مريم الذي انبعث من ورشتها في حلب لا يزال وراء إلهامهم. كانت مهندسة السماء، والجسر الذي بنتَه يمتد من الماضي إلى المستقبل.
قصة مريم تظهر لنا أيضًا أنّ نساء العلويين/النصيريين كنّ حرّات حتى في العصور الوسطى، وأنهن ساهمن في العلوم وتركّن بصماتهن في التاريخ بحروف من ذهب. وبولائها لدينهن ولمجتمعهن، أصبحت مريم نموذجًا وقدوة لكل نساء العلويين/النصيريين الباحثات عن العلم.