2018.02.21
عشرات القذائف الصاروخية أمطرت، أمس، مختلف أحياء العاصمة. 11 شهيداً، وعشرات الجرحى المدنيين، بينهم أطفال. فيما يواصل الجيش تمهيده الناري، إيذاناً بالحسم العسكري واقتحام الغوطة الشرقية.
صح في دمشق، أمس، ما قاله شاعرها المفضل نزار قباني، في قصيدة نعيه لزوجته بلقيس، أيام حرب بيروت الأهلية: «الموت في فنجان قهوتنا... وفي مفتاح شقتنا... وفي أزهار شرفتنا... وفي ورق الجرائد». ومع أشعة الشمس التي تدفئ شتاء العاصمة السورية، تنسدل ستارة من دخان، فتغلف كل شيء. قذائف مسلحي الغوطة الشرقية تتساقط كالمطر على رؤوس المدنيين، مخلّفة 11 شهيداً وعشرات الجرحى الذين وصلوا إلى المستشفيات، فيما تحدد إحصائيات رسمية ضحايا اليوم المتفجر بـ 6 شهداء فقط، إضافة إلى عشرات الجرحى.
السير على طول شارع جسر الرئيس غير مناسب ليوم كهذا اليوم الكابوس. ستباغتك قذيفة أخطأتك، وأصابت سيارة أجرة، فانحرفت عن مسارها واصطدمت بالرصيف، في نهاية مأسوية على كتف نهر بردى الشاهد والشهيد أيضاً. والنتيجة تهشم سائق السيارة وإصابة آخرين بشظايا القذيفة، إصابات بعضهم خطرة. وقد ينجلي المشهد عن عدد من الهاربين من قضاء الموت الدمشقي وقدره، محاولين النجاة بعبثية مطبقة على أجواء العاصمة وخطوات سكانها المحكومة بالرعب. قلة يهرعون لإسعاف المصابين وانتشال الأشلاء، في انتظار وصول سيارات الإسعاف وفرق الهلال الأحمر السوري.
ومع انتشال جثمان السائق المسكين، ثمة صوت يعلو قائلاً: «من مات في سبيل العمل، فهو شهيد». هكذا يفتي العمل بقدسيته في مواجهة الموت بالبقاء والإرادة، في حياة الباقين في أقدم العواصم. الناجون من هذه القذيفة لن يتمكنوا من الابتعاد كثيراً، قبل أن يسمعوا صوت انفجار آخر، ناجم عن سقوط قذيفة في دار الأوبرا، تليها قذائف متتالية في محيط المكان. ضحايا جدد، بينهم شهداء ومصابون من موظفي الدار. قذيفة أُخرى تتسبب في حادث سير مروري، ما يفضي إلى استشهاد شخص وجرح آخرين، في مقابل سقوط قذائف عدة على حي الشعلان، لتصيب محيط مدرسة دار السلام. أيام الامتحانات السنوية الانتصافية، التي تضطر الطلاب إلى المضي نحو جامعاتهم، ستجعل منهم ضحايا محتملين، للموت المتربص بكليتي العلوم والحقوق. فيما لن يكون حي المزة بمنأى عن النيران المشتعلة في أرجاء العاصمة، إضافة إلى الأحياء المستهدفة دوماً، كباب توما والقصاع وباب شرقي، وصولاً إلى مدينة جرمانا، التي نالت حصتها من الموت جراء قصف طاول إحدى ساحتها، ما أدى إلى استشهاد أشخاص عدة، بينهم أطفال. مشفى المواساة استقبل حالات لم تتمكن من الوصول على قيد الحياة، فيما ودّع أُخرى مع دخول غرفة العمليات. وكذلك نال المستشفى الفرنسي حصته من إسعاف الحالات الخطرة في الأحياء الشمالية الشرقية من العاصمة. وتسود رائحة الدخان مساء دمشق، تتخللها الدماء، حيث لا ياسمين ولا من يحزنون. حتى تعلن مدارس خاصة في دمشق القديمة عن إغلاق أبوابها اليوم وغداً، في محاولة لتفادي استشهاد الباقين من أبنائها. وزارة الخارجية السورية وجهت رسالة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن حول استهداف مسلحي الغوطة الشرقية العاصمة السورية وريفها بعشرات القذائف القاتلة، التي أدت إلى استشهاد وجرح عشرات المدنيين الأبرياء.
وفي السياق ذاته، فقد تواصل التمهيد الناري المدفعي والجوي ضد مراكز تجمع المسلحين ومواقع إطلاق قذائفهم في عمق الغوطة الشرقية من قبل الجيش السوري، وسط استعدادات لبدء عملية عسكرية واسعة ترمي إلى حسم الوضع الميداني في محيط دمشق. أهداف الجيش تركزت في عين ترما وجوبر، وصولاً إلى دوما. وحدات متنوعة من القوات السورية تمركزت على مشارف العاصمة، بانتظار لحظة الاقتحام البري، بمجرد انتهاء التمهيد الناري البعيد. مصادر ميدانية تؤكد أن الاستعدادات النهائية شارفت على الانتهاء، بغية تنفيذ أوامر محددة تقضي بعدم التراجع حتى استسلام الجبهات المواجهة للجيش في بلدات الغوطة الشرقية وجوبر. وتنفي المصادر وجود أي تحرك بري حتى اللحظة، بخلاف ما يشاع. يأتي ذلك بالتزامن مع ورود معلومات عن مقتل عشرات المسلحين، باستهدافات الجيش لمواقعهم في عمق الغوطة. فيما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان «مقتل أكثر من 100 شخص، في الغوطة الشرقية»، خلال اليومين الماضيين، جراء القصف المدفعي والجوي للجيش السوري، الذي يوصف بالأوسع، منذ اندلاع الحرب القائمة.
في سياق مواز, “حماية المدنيين وحقوق الإنسان” شعارات يدعي الغرب الدفاع عنها لكن محك التجربة التي عاشها السوريون تؤكد بما لايدع مجالا للشك بأنها زائفة أمام حقائق استمرار دعم هذا الغرب للإرهاب والتعمية عن جرائم تنظيماته ومثاله الصارخ ما يجري بالغوطة الشرقية في ريف دمشق من اتخاذ الإرهابيين للمدنيين دروعا بشرية وسط صمت غربي عن جرائمهم بل وتسويق لأكاذيبهم بحق الدولة السورية.
ولعل يوميات أهالي مدينة دمشق وريفها من استمرار الإرهابيين لاستهداف الأحياء السكنية لمدينة دمشق وريفها بالقذائف تؤكد أن مشغلي التنظيمات الإرهابية لا يأبهون لتلك الشعارات التي يطلقونها زورا والتي صدعوا رؤوسنا بالحديث عنها.
ويعاني المدنيون في الغوطة الشرقية من تردى الوضع المعيشي والصحي جراء منع الإرهابيين إيصال المساعدات الإنسانية والطبية لهم إضافة إلى عرقلة جهود المصالحة فيها واستهداف سيارات الهلال الأحمر العربي السوري في الكثير من الأحيان الأمر الذي نبهت إليه الحكومة السورية مرارا وقبل أيام أوضح مندوب سورية الدائم في الأمم المتحدة الدكتور بشار الجعفري أن المجموعات المسلحة دأبت على استخدام المدنيين دروعاً بشرية واستهدفت دمشق بألف قذيفة خلال العشرين يوماً الأخيرة سقط خلالها المئات بين شهيد وجريح فاضحا بالدلائل والبراهين وظيفة هذه المجموعات وتبعيتها لواشنطن وأعوانها ولتكون أداة طيعة لتنفيذ مخططاتها وإطالة أمد الأزمة في سورية على حساب السوريين ودمائهم.
جرائم المجموعات الإرهابية بقصف الأحياء السكنية في دمشق وريفها تضاف إلى جريمة أخرى لا تقل عنها همجية تتمثل باحتجاز مئات العائلات في الغوطة الشرقية حيث منعت في شهر شباط أي شخص من المغادرة بعد أن قامت الحكومة السورية بالتعاون مع لجان المصالحات المحلية بفتح معبر آمن في مخيم الوافدين مجهز بسيارات الإسعاف والنقل لمراكز الإقامة المؤقتة مع تأمين وجبات طعام وذلك تمهيدا لتسهيل خروج المدنيين والمسلحين ممن يرغبون بتسوية أوضاعهم وكذلك ليكون شريانا لإدخال المساعدات الإنسانية إلى منطقة الغوطة الشرقية ولم تسمح حينها المجموعات المسلحة لأي شخص من الأهالي بالخروج بما فيها الحالات المرضية من أبناء الغوطة وذلك لإبقائهم دروعا بشرية وذريعة للحصول على مزيد من المساعدات الغذائية التي تستولي عليها عند إدخالها من قبل المنظمات الانسانية بالتعاون مع الحكومة.
وللتذكير فإن الجيش العربي السوري قام في شهر تشرين الأول من عام 2014 بفتح ممرين إنسانيين أمام المدنيين للخروج نحو مناطق آمنة الأول في بلدة زبدين في قلب الغوطة والآخر من جهة مخيم الوافدين قرب مزارع دوما وخرج حينها المئات من عائلات منطقة عدرا العمالية المحاصرين في مدينة عدرا ومثلهم من أهالي قرى وبلدات الغوطة الرافضين لوجود المجموعات المسلحة والفارين من جحيمها وحصارها لهم بقوة السلاح.
ورغم تعرية المجموعات المسلحة في الغوطة الشرقية من الداخل وإضعافها في ظل رغبة الأهالي بالتوجه إلى المصالحات المحلية تجاهلت هذه المجموعات التي تحتجز المدنيين وتعتقل مئات المختطفين بينهم عشرات النساء والأطفال في معتقلات الاختطاف المظلمة جميع الدعوات الأهلية للمصالحات والسماح للأهالي بحياة طبيعية ضمن كنف الدولة التي يتوقون للعودة إلى أحضانها.
انكشاف تلك المجموعات المسلحة في الغوطة الشرقية وانغماسها في سفك دم السوريين لم يترك خيارا آخر للجيش العربي السوري في الاستمرار بعملياته في إطار واجبه الدستوري في الدفاع عن أرض الوطن وحماية الشعب وتطهير البلاد من الارهاب حيث بدأت وحدات الجيش برصد مناطق اطلاق القذائف بدقة في الغوطة الشرقية ووجهت ضربات مركزة اليها أسفرت عن تكبيد المجموعات المسلحة خسائر بالأفراد والعتاد.
وأمام الخسائر الكبيرة التي تتكبدها التنظيمات الإرهابية بفعل ردود وحدات الجيش على اعتداءاتها على أحياء دمشق وريفها أفادت بعض المصادر باقدام تلك التنظيمات وبتوجيهات من مشغليها في الخارج على اختلاق سيناريوهات للترويج لاستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في الغوطة لاتهام الجيش العربي السوري بذلك على غرار ما جرى في عدة أمكنة ولا سيما في خان شيخون العام الماضي.
الأخبار, سانا