أكدت مصادر قيادية كردية لـ «السفير» عدم وجود خطة في الوقت الحالي للشروع بحملة على مدينة الرقة، وذلك خلافاً للبيان الذي اصدرته قوات التحالف الدولية، وظلل قرارها بانسحاب «قوات سوريا الديموقراطية» إلى شرق نهر الفرات، بناءً على توصية أميركية جرت بالتنسيق مع أنقرة.
وتغيرت التوازنات الميدانية بسرعة في اليومين الماضيين بالنسبة لـ «قوات سوريا الديموقراطية» التي يشكل الأكراد عمودها الفقري، واضطرت القوى المشكلة من فصائل عدة، بينها ما يمثل «الجيش الحر» وبعض العشائر العربية، لتقييم تحديات جديدة كانت بغنى عنها، تتمثل بمواجهة الجيش التركي من جهة، وجيش آخر مدعوم من تركيا دخل جرابلس وامتدت قواته لما بعدها في القرى المجاورة، وذلك بعد معارك انتهت منذ ايام قليلة هي الأخرى مع الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني في مدينة الحسكة.
واكد احد القياديين الاكراد لـ «السفير» أن «الرقة ليست ضمن برنامج قوات سوريا الديموقراطية الآن»، وذلك بانتظار «اتضاح الرؤية الميدانية والسياسية بعد التطورات الاخيرة»، موضحاً في الوقت ذاته أن «مهام الوحدات هي الحماية وسد الطريق امام توسع الاحتلال التركي لأراضينا»، معتبراً أن غايتهم الرئيسية تتمثل في مدينتي حلب والباب الاستراتيجيتين.
وكان المتحدث باسم قوى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ضد تنظيم «داعش»، الكولونيل جون داريون، أعلن الخميس أن «قوات سوريا الديموقراطية» عبرت نهر الفرات استعداداً لتحرير مدينة الرقة السورية التي تُعتبر معقل التنظيم في سوريا.
وأضاف داريون أن «القوات السورية الديموقراطية عبرت نهر الفرات استعداداً لتحرير الرقة المرتقب»، وذلك في تغريدة على حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، لكن بيان «وحدات حماية الشعب» الكردية اغفل اي حديث عن الرقة، واقتصرت صياغته على «أننا في القيادة العامة لوحدات حماية الشعب نعلن أن قواتنا أنهت مهامها بنجاح في حملة تحرير منبج وعادت إلى قواعدها بعدما سلّمت القيادة العسكرية لمجلس منبج العسكري، وكذلك جميع نقاطها العسكرية، وكما سلمت الإدارة المدنية للمجلس المدني في منبج في 15 آب 2016 وببيان رسمي».
ولم تمضِ الامور بالسلاسة ذاتها لاحقاً، اذ هاجمت القوات التركية جرابلس ودفعت بحلفائها إلى القرى الجنوبية منها، لتنفتح جبهتين على «قوات سوريا الديموقراطية» في وقت واحد.
وأعلن حلفاء انقرة من الفصائل الاسلامية والتركمانية أمس الأحد سيطرتهم على قرى عين البيضا، والعمارنة، ودابس وبلابان وبئر كوسى في ريف حلب الشمالي الشرقي، بعد اشتباكات عنيفة مع قوات «سوريا الديموقراطية».
وتأتي سيطرة الفصائل على القرى الثلاث ضمن عملية «درع الفرات»، بمساندة القوات التركية و «التحالف الدولي»، ضمن إطار العملية العسكرية التركية التي لا يُعرَف بعد كيف ستنتهي.
وأقرت انقرة أمس الأول بمقتل جندي تركي واصابة ثلاثة آخرين جراء هجوم صاروخي استهدف دبابتين تشاركان في الهجوم قرب جرابلس، متهمة مقاتلي «وحدات حماية الشعب» باستهداف الدبابتين، بعدما اندلعت مواجهات بين دبابات تركية ومقاتلي مجلس جرابلس العسكري، هي الاولى منذ الغزو التركي لجرابلس يوم الأربعاء الماضي.
واعلن «المرصد السوري» أمس عن مقتل 40 مدنياً جراء القصف التركي على قرية بئر كوسى وعلى مزرعة قريبة من قرية العمارنة في اليوم الخامس من «درع الفرات». لكن الجيش التركي تحدث عن مقتل «25 إرهابياً» من «حزب العمال الكردستاني» و «حزب الاتحاد الديموقراطي» في الغارات التي نفذها.
وقال قيادي بـ «المعارضة» السورية المسلحة وقائد «جماعة السلطان مراد» أحمد عثمان إن المسلحين المدعومين من تركيا يتطلعون لانتزاع السيطرة على مدينة منبج التي تمكن تحالف قوات سوريا الديموقراطية من طرد «داعش» منها خلال الشهر الحالي.
وقال مراد إن القوات «المعارضة المدعومة» من تركيا «ستتوجه بالتأكيد باتجاه منبج لأن قوات سوريا الديموقراطية لم تُخلِ مواقعها ولكن قامت بالتحصين»، مضيفاً أن الوقت الذي سيستغرقه التقدم إلى منبج والسيطرة عليها هو «أيام قليلة».
وتعهد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أمس، ان تقاتل بلاده تنظيم «داعش» والمسلحين الاكراد السوريين «بالعزيمة نفسها».
لكن تطوراً في قاموس المصطلحات برز مع تراجع الاكراد ميدانياً ببدء حديثهم عن مقاومة «الاحتلال التركي»، و «رفض الاستسلام فيما يتقدمون نحو اراضينا» وفقاً للقيادي السابق، وهو ما تجلى أمس الاول ايضاً بالعملية التي قام بها «حزب العمال الكردستاني» على موقع عسكري تركي ادى إلى مقتل جندي تركي وإصابة ثلاثة آخرين بجروح، وذلك بهجوم صاروخي على بعد ستة إلى سبعة كيلومترات جنوب جرابلس.
كما أطلقت ليلة أمس الاول السبت أربعة صواريخ من جهة الطريق الدائري المؤدي لمطار ديار بكر جنوب شرق تركيا. ووقع الهجوم أثناء هبوط طائرة تابعة لشركة طيران خاصة.
وتنعكس المعضلة الكردية مجدداً ضمن الخلل الاخير في توازنات القوى الاقليمية والدولية، بحيث يتجدد قلقهم من الوقوع «بين أرجل القوى الكبرى» كما جرى في السابق تاريخياً. وتتعرض «قوات سورية الديموقراطية» لقصف تركي مدفعي وأحياناً بالطيران كما جرى خلال حملة جرابلس، بعلم قوات «التحالف» التي تسيطر على أجواء تلك المنطقة. وهي القوات ذاتها التي حذرت خلال أحداث الحسكة قوات الجيش السوري من التمادي في استخدام الطيران ضد «وحدات الحماية الشعبية»، لا سيما أن قواعد تنسيقها العسكري قريبة من مدينة الحسكة.
ويتلقى الاكراد الضربات الآن بالرغم مما اعتبروه انجازاً نتيجة توسعهم العسكري في الحسكة، والذي ربما يكون ثمنه المواجهة التي يتعرضون لها في جرابلس وجنوبها، كما يأتي في سياقها ايضاً تجاهل قوات التحالف لخسائرهم، بعد تذكيرهم أن قواتهم هدفها الاساسي طرد «داعش» في مقرها الرئيسي في الرقة.
ويدرك الاكراد أن التهديد الاكبر المتمثل بـ «تحالف الاتراك مع الحكومة السورية عليهم» لم يحصل بعد، وأن «انعدام الثقة الشخصية والديبلوماسية، وتضارب المصالح الاقليمية» بين انقرة ودمشق، ما زالا يحولان دون هذا التقارب، او حتى التواصل المبدئي وفقاً لما تؤكده مصادر سورية واسعة الاطلاع لـ «السفير»، وإن كان يظل ممكناً كمقدمة لتسوية سياسية تنضج لاحقا بين الراعيين الاساسيين الولايات المتحدة وروسيا، ويمكن أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح التركيبة العشائرية العربية التي في المنطقة ايضاً.
في ذلك الوقت، ستكون البندقية الكردية في مأزق جديد، ومواجهة على أكثر من جبهة، وذلك في حال لم ينهض مشروع سياسي متفق عليه من الجميع معاً.
زياد حيدر
السفير

