«أنقرة تدعم الإرهاب ولن نقاتل إلى جانب من يحلم باستعادة أمجاد العثمانيين في سوريا».. كلام يختزل الكثير من المشهد القائم في الشمال السوري من منظار «مجلس سوريا الديموقراطية»، المظلة السياسية لـ «قوات سوريا الديموقراطية» التي يهيمن عليها الأكراد، خاصة بعدما ارتدى التدخل التركي في الصراع السوري المستمر منذ ست سنوات لباسه العسكري مباشرة عبر غزو «درع الفرات».
لم تخف الرئيسة المشتركة في «مجلس سوريا الديموقراطية» إلهام أحمد لـ «السفير»، سوداوية الظرف المسيطر على مسرح الأحداث الحالية في حلب وتلك المتوقعة في الرقة بعدما «غزت القوات التركية الأراضي السورية تنفيذاً لأجندة عثمانية قديمة مستجدة»، مروراً بدمشق التي «لن تكون بمنأى عن الوجود العسكري الكردي - العربي عندما تقتضي الضرورة»، وصولاً للمواجهة السياسية مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني واختلاف الرؤية الاستراتيجية، معه خاصة لناحية إقامة كيان كردي مستقل، معتبرة أن تشكيل دولة كردية ليس في مصلحة الأكراد لأنها غير قادرة على البقاء نظراً لواقع الدول التي ستجاورها فيما لو أعلن عن قيامها.
وتؤكد أحمد أن غزوة «درع الفرات» التي بدأتها تركيا في سوريا ترتبط بأجندة مخفية، وهي «لن تتوقف قبل أن تحقق حلم امبراطورية عثمانية تكون فيه حلب جزءاً من تركيا، لتلحق بذلك بمصير لواء الاسكندرون»، لافتة إلى أن القوات التركية وصلت إلى أعزاز وهدفها التالي دخول مدينة حلب، فيما تصر «قوات سوريا الديموقراطية على قتال كل من يتهدد أمن المواطن السوري وسلامته» في أي مكان على امتداد الرقعة السورية.
وتوضح أحمد أن «درع الفرات» لم تكن لتبدأ «لولا استشعار أنقرة بخطر قوات سوريا الديموقراطية على داعش»، إذ بدأت غزوتها لحماية عناصر التنظيم الإرهابي وكبح مسير «القوات» التي كانت تتقدم بخطى ثابتة لدحر الإرهابيين من المدن التي سيطروا عليها، موضحة أن مسلحي «داعش خلعوا عباءة التشدد في جرابلس وارتدوا بزات الجيش الحر وفق المخطط التركي»، مستغربة عدم سقوط قتلى من العسكريين الأتراك في ما كان يفترض أن يكون حرباً على «داعش».
وكشفت أن أنقرة تسعى «لبناء دولة سنية في سوريا لا تكون فيها الحكومة من العرب»، لافتة إلى «جهود تركية لتأسيس مجلس محلي جديد في جرابلس يكون كل أعضائه من التركمان ويتبعون للحكومة التركية مباشرة»، مؤكدة أن المخطط التركي هذا إنما يهدف لإرجاع «مجد الامبراطورية التركية إلى المنطقة، وهي خطة تتضمن أيضاً السيطرة على الموصل في العراق إلى جانب حلب».
الرئيسة المشتركة لـ «مجلس سوريا الديموقراطية» تشدد على أن «قوات سوريا الديموقراطية» لن تقاتل أبداً إلى جانب الأتراك، خاصة في تحرير الرقة من تنظيم «داعش»، موضحة أنه حتى لو سار الأميركيون بسيناريو كهذا فإن «المجلس» لن يسير به.
ولفتت إلى أن تركيا باتت تشكل قاعدة كبرى لـ «داعش»، وهنا تلفت إلى أن «مدينة غازي عنتاب تعد أكبر قاعدة تدريب لداعش وعلى مرأى ومسمع من أنقرة التي تدرب عناصر التنظيم الارهابي في معسكرات خاصة في الداخل التركي قبل إرسالهم إلى سوريا ولاحقاً إلى أوروبا» تنفيذاً لأجندة «ستصيب كل من سكت عن الغزو التركي في سوريا بالندم».
وأشارت أحمد إلى أن كل ما يثار من كلام عن نيات تقسيمية لـ «مجلس سوريا الديموقراطية» عار من الصحة، لافتة إلى التمايز بين النظام الموجود في شمال العراق (إقليم كردستان) القائم على أساس قومي ويتضمن مكوناً اجتماعياً واحداً هو الكردي، وبين جهود «المجلس» في سوريا الهادفة لإيجاد نظام يوحد «الاراضي المقسمة أصلاً بفعل الحرب، وذلك بعدما بات النظام المركزي القائم في الدولة يشكل حالة تفرقة بين أبناء الشعب الواحد».
ولأن المواربة لم تعد مستحبة بعدما طغت أصوات المدافع على كل ما عداها في سوريا، أعلنت أحمد أن «قوات سوريا الديموقراطية» التي تدعمها واشنطن، لن تتوانى عن القتال في دمشق «دفاعاً عن الشعب السوري اتجاه أي كان»، مسلِّمة في الوقت ذاته بـ «واقع وأحقية» تمثيل «المجلس» بوزراء في أي حكومة ستشكل لاحقاً، خاصة بعدما «تمكنت قوات سوريا الديموقراطية من تحرير مساحات جغرافية واسعة من سيطرة إرهابيي داعش لتعيدها إلى كنف الدولة السورية الموحدة».
وفي هذا الإطار، تؤكد أن الـ «قوات تعمل وفق سياسة دفاعية بحتة»، وتورد مثلاً ما جرى في محافظة الحسكة من قتال بين الجيش السوري و «وحدات الدفاع الوطني» من جهة وبين الأكراد من جهة ثانية، حيث «دافع الأكراد عن أنفسهم في مقابل التجاوزات الكثيرة والمتراكمة».
وعن مستقبل «قوات سوريا الديموقراطية» في ما لو وضعت الحرب أوزارها وإمكانية انضمامها للجيش السوري، تشير أحمد إلى أنه تم تشكيل تلك القوات لتكون «جيش سوريا المستقبلي، حيث إن هيكلية الجيش السوري الحالية تحتاج لتغيير بعد خمس سنوات من حرب دموية طالت جميع المكونات»، مؤكدة بالتالي عدم قابلية الجيش الحالي لاستقبال «نواة جيش سوريا الجديد».
وفيما حرصت أحمد على إظهار العلاقة المتينة التي تربط الولايات المتحدة بـ «قوات سوريا الديموقراطية»، إلا أنها رفضت أن توصم تلك العلاقة بالتبعية، مشيرة إلى أن ما حدث في منبج ومطالبة الأميركيين من «القوات» الانسحاب إلى غرب نهر الفرات، إنما جاء عملاً بالاتفاقات الموقعة بين الطرفين وليس من مبدأ الانصياع للقرار الأميركي.
وبفعل السهام التي يتعرض لها «مجلس سوريا الديموقراطية من كل حدب وصوب» والتهديدات التي تترصد إمكانية استمراره على قيد الحياة السياسية، تشير أحمد إلى جهود حثيثة لتطوير عمل المجلس وتحويله إلى جبهة معارضة ديموقراطية تسعى للحل السلمي في سوريا وتشارك في العملية التفاوضية في جنيف كطرف أساسي، مشددة على عدم جواز اعتبار «الهيئة العليا للمفاوضات» أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري وهي تخلو من أي ممثل عن الشمال.
وإذ حذرت من أن إقصاء «قوات سوريا الديموقراطية» عن تلك المفاوضات سيؤدي إلى تقسيم سوريا، أشارت إلى أن تلك القوات سترفض أي حل تفاوضي يصدر عن جنيف بغيابها، وهي «مستعدة لاتخاذ أي إجراءات أو خطوات حتى لو تمثلت بالذهاب للمواجهة، لأن أمرا كهذا يعني تكرار التاريخ وتكرار المأساة نفسها»، مؤكدة أن «الحل لن يأتي إلا بسحب كل الأيادي التي شاركت في الحرب السورية وترك القرار لإرادة الشعب السوري نفسه».
السفير

