كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

إلى الصديق يوسف أحمد.. الملاجة

بدر أحمد

 لا أحد يولد بعقل تجاري، فالعقل التجاري مُكتسب...
لكن صديقي يوسف، الذي كان لديه كشك لبيع الصحف والمجلات بجانب الكراج القديم، كان يملك عقلاً تجارياً بالفطرة...
تعرفت على أبو نوار منتصف التسعينيات. كنت أتردد عليه لشراء الصحف والمجلات، وإجراء المكالمات الهاتفية الضرورية المحلية والقطرية إذ كان لديه هاتف عمومي قبل غزو الموبايلات..
ورغم ضيق المكان، فإنه كان يتسع لكل المثقفين والكتاب والأصحاب.
ثم ازداد تعارفنا وصرنا أصدقاء، نشرب المتة ونتحدث
بشتى الأمور، خاصة الزجل والعتابا والموسيقى فهو يُعتبر موسوعة في مدرسة الرحابنة..
يوسف ليس من هواة الرياضة وكان يقول لي:
ـ إذا لعبت البرازيل وألمانيا ورا بيتنا ماني مستعد شوفهم من الشباك....
مع هيك، كان مرّة عارض مجلة رياضية اسمها "الصقر". توقف أحد الشباب وصار يتفرج على غلافها. قال له يوسف:
ـ هاد عدد ممتاز جدا. ومعه بوستر ل روبرتو كارلوس.. يا لطيف شو انطلب مني هالعدد...
لم يكلفه الأمر سوى هذه الكلمات.. اشترى الشاب المجلة، تأبطها وغادر... بالمناسبة، كانت نسبة ربح البائع حسب سعر المجلة وكلما ارتفع سعرها ارتفعت نسبة الربح..
المجلات التي لاتُباع، تعود مرتجعا إلى مؤسسة المطبوعات..
أحد المرات نسي أبو نوار إرجاع مجلة "طبيبك" وكان سعرها / ٧٥ / ليرة.. فلقد كانت مخفية خلف المجلات الأخرى.. يعني إما يبيعها أو يخسر ثمنها كاملاً..
عرضها في الواجهة وأخفى العدد الجديد..
جاء رجل ووقف يقرأ العناوين على الغلاف. نقر صديقي الحبة فوراً:
ـ هاد أغنى عدد إجا من "طبيبك".. الطلب عليه مو طبيعي. بعت منه أكثر من 75 نسخة.. للاسف كانت ملحوشة خلف المجلات وما انتبهت عليها...
قال ذلك وتناول المجلة عن الرف.. فتحها إلى صفحة الفهرس أو محتويات العدد وناولها للرجل:
ـ تفضل اقرأ.. شوف المواضيع.. عيادة شاملة كاملة..
تناول الرجل المجلة. تصفحها ثم قال:
ـ بس هاد عدد الشهر الماضي..!
خطف أبو نوار العدد الجديد من زاوية الكشك وقال للرجل:
ـ يا سيدي، هاد العدد الجديد. قارن بين محتوى العددين واحكم بنفسك..
ولم يغادر الرجل إلا وقد اشترى العددين معاً..
كانت مخصصات الكشك من الصحف اليومية: 600 نسخة من صحيفة الثورة، 600 من صحيفة تشرين و 50 نسخة فقط من صحيفة البعث! لا احد كان يشتري البعث..!
إذا سأل أحد ما عن نتائج اليانصيب يقول له أبو نوار:
البعث ناشرة نتائج اليانصيب. وين في أبراج؟! بالبعث... الملحق مع البعث.. وهيك كان يبيع صحيفة البعث أول بأول...
وبالإضافة إلى بيع الصحف والمجلات كان لديه هواية بشراء وبيع المسابح.. وصلت لعنده أحد المرات. رحب بي وقال:
ـ ليك هالمسبحة، هي أول وحدة من اليمين.. هلق اشتريتها من حدا بـ500 ليرة بس هي بتسوى ألف وأكثر.. انا رح فوت لسوق الخضار.. هلق اللي باعني إياها رح يرجع ويسأل عن سعرها...
وكما توقع، جاء الرجل ووقف يتطلع عالمسابح، ثم سألني:
ـ وين صاحب الكشك؟!
ـ بالسوق.. عنده شغل..
ـ إذا سمحت هي المسبحة الأولى من اليمين شو سعرها؟!
ـ خبرني قبل ما يمشي إنه اشتراها بـ500.. عمي، اعطينا عليها 50 ليرة ربح ومباركة عليك.
وغادر الرجل. هو فقط أراد أن يعرف إن كان قد غشّه بسعرها..
عاد صديقي من السوق وقد تأبط ديكاً بلدياً مزركشاً.
قال: تكة وراجع. رح حطه عند جارنا بالنتافة.. اليوم عازمك على قمحية ع ديك بلدي..
قال إنه في طريقه الى السوق رأى قروياً يبيع الدجاج البلدي، وكان من بينها هذا الديك. "عندما وصلت كان القروي يتساوم مع زبون على سعر الديك.. صاحب الديك طلب 100 ليرة والزبون دفع 50. قلت لصاحب الديك: عليي بـ75 فقال مبروك. وهكذا خطفت الديك وسط اندهاش الزبون"...
وكما ذكرت في البداية، فلقد جمعنا الكشك وتشكلت صداقات مع المثقفين الذين كانوا يرتادون المكان. من بين هؤلاء (ف) الذي تحسّه شخصية هاربة من إحدى قصص عزيز نيسن..
أمام الكشك كان يمر الجميع متجهين إلى الكراج أو للتسوق من السوق الشعبية الملاصق لسوق الخضار والفواكه. عشرات بل مئات الصبايا..
قال لي (ف) مرة عندما مرت صبية تهتز أنوثة:
ـ بتفهم بهندسة العمارة شي؟
ـ لا والله..
ـ شوف.. سر هندسة العمارة ونجاحها هو الشرفات أو البروزات.. تخيل بيت او بناء بلا شرفات أو بروزات.. الرب هو أكبر مهندس معماري. خلق المرأة وجعل أنوثتها تنبع من البروزات..
في الحلقة القادمة:
عندما استأجر (ف) محلاً لبيع الخضار داخل السوق..