كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما استأجر (عهد) محلاً لبيع الخضار والفواكه

بدر ابراهيم أحمد

عرفت أن (عهد) قد استأجر محلاً لبيع الخضار والفواكه بالمفرق في السوق المجاورة لكراجات طرطوس القديمة، أي خلف كشك المجلات والصحف خاصة صديقي يوسف "أبو نوار" الذي حكيت عنه في منشور سابق...
و(عهد) لا يقل دهاء عن "أبو نوار".. شيوعي عتيق ومثقف بدرجة امتياز.. كان بلا عمل وبلا زوجة، وبلا طول سيرة ذهبت إليه في محله لأبارك له عمله الجديد...
كانت الساعة التاسعة صباحاً او اقل.. لم يكن ينادي على البقدونس والخيار والبندورة كما باقي الباعة، بل كان يستمع إلى أم كلثوم.. اي نعم، إلى أم كلثوم..
ـ ام كلثوم الصبح يا فتاح يا رزاق؟!
ـ الست أم كلثوم تصلح لكل وقت وزمان..
ـ بتعرف لما سمعت صوتها وانا داخل إلى السوق، قلت لحالي "مين هاد اللي مو نايم اليوم"!
ـ أجدادنا كانوا قبل طلوع الضو، ياكلوا مجدرة.. بدك تقول صوت الست مثل المجدرة، أطيب شي الصبح..
بعد السلام والكلام، دعاني إلى داخل المحل حيث تتربع المتة على طاولة خشبية صغيرة وقال:
ـ فوت اشرب متة فوت... لا تقللي مو جاي تشرب متة!
ـ كنت ناوي اشرب عند يوسف، ابو نوار..
ـ تعااال.. هون بتكتب أجمل القصص. بعرفك كاتب قصة.. تشيخوف نصح الكتاب بركوب الدرجة الثالثة من القطار، يعني الذهاب الى القاع لملامسة هموم الناس..
سألته:
ـ جد، شو قصة أم كلثوم من الصبح..؟
أجابني بسؤال:
ـ هل قرأت قصة لعزيز نيسن يحكي فيها عن شخص اسمه حسن التركي؟!
ـ لا..
ـ "هاد يا سيدي، المانيا فيها جالية تركية كبيرة. لذلك أغلب عمال المصانع هناك أتراك. ومن بينهم شخص اسمه حسن، لكنه منبوذ من رب العمل.. يعني عليك أن تبتعد عن حسن وصداقته حتى يرضى عنك رب العمل أو صاحب المصنع..
ـ شو قصة حسن هاد؟!
ـ حسن هاد يأتي إلى زملائه بعد نهاية الدوام ويسألهم:
ألا يكفيكم راتبكم؟!
ـ بلى، يكفينا..
ـ لماذا إذن تعملون وقتاً إضافياً؟! صاحب المصنع يريد زيادة الإنتاج على حساب وقت استراحتكم ووقت فراغكم.. ثم لماذا يضعون لكم أغاني الديسكو والجاز؟! لكي تعملوا على وقع هذه الأغاني السريع.. مما تشكو العتابا التركية والمووايل ؟!"....
هل عرفت الٱن ليش عم استمع لأم كلثوم من الصبح؟!..
أم كلثوم بتخلي الزبون يمشي بهدوء وببطء سلحفاة، يستمع، ينظر إلى الخضار والفواكه، يستحلي ويشتري.. تخيل حط أغنية "دبك دبك دبيكي اسم الله عليك.."..
لا إراديا رح تلاقيه عم يمشي متل الأرنب...
جرب تطلع إلى أعلى بناية في السوق، وانظر من علٍ إلى حركة الناس في الشارع.. كلما كانوا مسرعين كانوا أكثر تمدناً ولا اقول أكثر تحضراً..
جاءت امرأة وسألت عن سعر الجزر:
ـ الكيلو ب 8 ليرات يا اختي..
ـ عند جارك هنيك ب 7
ـ الله يسهلك.. اشتري من عند جاري لأنه أرخص..
وبعد أن مشت المرأة أو همّت بذلك، ناداها:
ـ تعالي أختي، خدي ال 3 كيلو ب 25 ليرة..
ـ ماشي. زن لي 3 كيلو..
كنت مندهشاً، غير مصدق لما يحدث.. باعها الكيلو ب 8 ليرات وزاد على المجموع ليرة وهي راضية أو غير مدركة..
وبعد أن غادرت ابتسم بمكر وقال لي:
ـ البني ٱدم مفطوم عالإكرامية.. لما تحسسه انك "كارمته"، تضحك عليه رغم إنك ضاربه صواب عالعمى... مثلاً، فيك تبيع كيلو الثوم بـ 8 ليرات بس الزبون رح يساومك حتى لو سعرته بـ 5 لذلك، بتكتب تسعيرة بـ 10وبتقول للزبون "تكرم خذه بـ8".
المواطن يحب الشيء المجاني.. يشتري الصحيفة اللي معها ملحق، مع أن الملحق أحياناً يكون كله إعلانات بلا طعمة.. لهيك بتلاقي أبو نوار عم يحمّل الملحق مع صحيفة البعث حتى يبيعها...
نظرت نحو الثوم فاكتشفت أن لديه كومتان: واحدة مكتوب عليها سعر 10 والتانية 15 ليرة.
ـ ليش عندك تسعيرة مختلفة للثوم؟!
ـ البلدي ب 15 ليرة.
ـ ومؤكد الزبون سيختار البلدي!
ـ ياعيني عليك. انت فهمان وبنفس الوقت، انطلت عليك اللعبة أو الحيلة..
ولكي يفسر لي كيف انطلت اللعبة عليّ، أمسك بكمية من الثوم من كومة الـ10 ليرات ووضعها فوق كومة الـ15..
ـ فهمت شي؟!
ـ فهمت!