2021.03.21
حلب- رحاب الإبراهيم - فينكس:
رائحة الكبة الحلبية لم تفح في البيوت كما جرت العادة لاحتفال الأبناء بأمهاتهم في عيدهن، فعيد "الميمة" كما يحب أهل حلب تسمية أمهاتهم يختلف عما ألفوه سابقاً أقله كما العام السابق، فالغلاء فرض كلمته على العائلات الحلبية الشهير مطبخها بأشهى الأكلات، التي كانوا يحضرونها على موائدهم في هذه المناسبة الغالية.
تقول عائشة المحمد وهي أم لثلاثة أطفال، تحاول شراء هدية لأمها من سوق التلل الشعبي، الذي تعد أسعاره أقل من غيره من الأسواق: "إعداد الكبة لم يعد خياراً متاحاً لكثير من العائلات الراغبة في إعداد هذه الأكلة الشعبية وغيرها للاحتفال بهذه المناسبة، فمكوناتها أصبحت تحتاج إلى قرض في ظل هذا الغلاء الجنوني، فاللحمة يتجاوز سعرها 25 ألف ليرة، للأسف هذه الأكلة، التي أصبحت تكلف أكثر من 100 ألف ليرة إذا أعدت على أصولها، لكنها أصبحت حكراً على العائلات الغنية، أما العائلات المحدودة الدخل والفقيرة فقد أصبحت هذه الأكلة ترفاً غير قادرين على عيشه".
وتضيف عائشة بحرقة: "في أشد أوقات الحرب قساوة، كانت السلع متوفرة بأسعار أقل، أما اليوم نضرب أخماساً بأسداس لشراء هدية صغيرة، فأقل هدية تكلف بحدود 20 ألف ليرة، وهي لا "تعبي" العين، في حين كنا سابقاً نجد كل شيء من أحسنه وبأسعار مقبولة، فمن أوصلنا إلى هذا الحال الصعب... ما فينا نقول غير الله يفرجها".
تؤيدها صبية عشرينية عرفت عن نفسها بليلان، طالبة جامعية في كلية الهندسة: "بالعادة تجتمع العيلة في مثل هذه المناسبة، وكل شخص يجلب هديته، لكن هذا العام قررنا شراء هدية مشتركة، فلم يعد لدينا القدرة لشراء هدايا باهظة كما السابق، فالغلاء طوق مناسبة عيد الأم كما طوق معيشتنا"، مشتكية من جور التجار الذين لم يترددوا أيضاً من زيادة أسعارهم في استغلال واضح لهذه المناسبة العظيمة، متسائلة أليس لديهم أمهات وزوجات سيقومون بشراء هدايا لهن؟ أم أنهم يضاعفون أسعارهم ويأخذون الفرق من جيوب المواطن، الذي لم يعد قادراً على التحمل؟
أما الرجل الأربعيني عمر العدل، موظف، أكد أنه رغم خصوصية هذه المناسبة على قلبه، لكنه قرر أن تكون هدية أمه بعض المال فقط، لأن نزلة السوق على قوله بتوجع الرأس والقلب، فالأسعار الكاوية التي تتغير كل يوم تضرب على العصب، والوالدة حسب قوله تقدر الوضع والحال.

تحريك المياه الراكدة
حالة الركود في أسواق مدينة حلب كشفها عيد الأم ومن قبله عيد المعلم، الذين لم ينجحا في تحريك المياه الراكدة كما يقال كما جرت العادة، حيث تكثر عمليات البيع والشراء سواء في أسواق الذهب أو الألبسة أو الكهربائيات أو الموبايلات، في جميع هذه الأسواق كان عدد أصحاب المحال التجارية والشغيلة يفوقون عدد المتسوقين، فمثلاً في سوق الكهربائيات الكائن في منطقة العبارة من النادر أن تجد زبوناً يدخل على المحالات لتتعرف على الأسعار لشراء هدية لست الحبايب لتزين مطبخها أو بهدف إراحتها عند شراء بعض الأجهزة الكهربائية الحديثة، التي حلقت أسعارها على نحو غير مقبول بحيث يستحيل على البعض شرائها بعد تجاوز سقف بعض الأجهزة مئات الألوف وصولاً إلى المليون ليرة، وهذا الأمر ينطبق على أجهزة الموبايلات، التي أقل جهاز حديث يتجاوز سعره 300 ألف ليرة، أما الذهب فحدث ولا حرج فأقل قطعة ذهبية يبلغ سعرها 500 ألف ليرة، وهنا يقول أحد الصاغة بجوار سوق التلل: "حركة الشراء معدومة في هذه المناسبة، التي كانت في وقت ما تحرك سوق الصاغة من دون أن ينفى قدوم بعض الأشخاص لشراء بعض القطع الذهبية كنوع من الادخار حفاظاً على ما يملكنه من المال وليس الغاية شراء هدية لعيد الأم".
تحت رحمة التجار
وحده سوق الألبسة شهداً تحركاً بسيطاً كون أسعار بعض الألبسة يعد سعرها أفضل من غيرها من المنتجات الأخرى، و إن كانت عملياً لا تناسب الدخل الشهري للمواطن، علماً أن سعر أقل قطعة ألبسة إذا كانت "معتبرة" وذات جودة معقولة يتجاوز 30 ألف ليرة، وهو ما تشير له نهى قلعجي بتأكيدها على أنها جالت في العديد من أسواق حلب الشعبية والحديثة لشراء قطعة ألبسة مناسبة السعر والجودة، لكن صدمت برفع التجار أسعارهم إلى مستويات غير مقبولة، إلا أنها رغم ذلك اشتريت هدية من الألبسة فاق سعرها 40 ألف مع أنها لا تستحق هذه السعر، والبركة بالتجار وترك الأسواق تحت رحمتهم من دون مبادرة دوريات الرقابة التموينية إلى القيام بواجبها، مع أنه يفترض في هذه المناسبة تسيير هذه الدوريات في كل الأسواق الرئيسية لضبط الأسعار وحماية المستهلك من المستغلين.
وهو أمر يرفضه أصحاب المحلات التجارية عبر تأكيدهم أنهم يدفعون ثمن هذا الغلاء أيضاً، بحيث لا يدخل إلى جيوبهم في اليوم الكثير كما السابق، فمن الأفضل لهم أن تكون الأسعار منخفضة بغية زيادة عمليات البيع، أما اليوم فقد يمضي اليوم كامل ولا يكون هناك ولا عملية بيع واحدة، وحتى خلال المناسبات التي كنا ننتظرها بفارع الصبر لزيادة أرباحنا كعيد الأم والمعلم، تشهد الأسواق حالة من الركود بسبب قدرة المواطن الشرائية الضعيفة، التي يفترض تحسينها حتى تنشط الحركة التجارية نوعا ما.